ورحل العالم الجليل

ورحل العالم الجليل

وأخيراً وبعد مرض طال على الشيخ، أرجو أن يكون طهوراً وكفارة لجميع سيئاته، وزيادة في حسناته، ورفعة لدرجاته .

رحل عن دنيانا علامة قطر، وقاضيها وفقيهها الأكبر، وخطيب مسجدها الأعظم، وأول رئيس لمحاكمها الشرعية، وشؤونها الدينية، ففقدت قطر وبلاد الخليج بل الأمة الإسلامية بفقده أحد علماء الأعلام والقضاة الأثبات والفقهاء الميسرين والدعاة المبشرين، إنه العالم الجليل الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود – رحمه الله رحمة واسعة – وتقبله في عباده الصالحين .

ورحل العالم الجليل

 

المجلة العربية

العدد 238 السنة 21

 

ذو القعدة 1417هـ - مارس / أبريل 1997م

ورحل العالم الجليل

بقلم : أ . د . يوسف القرضاوي .

 

وأخيراً وبعد مرض طال على الشيخ، أرجو أن يكون طهوراً وكفارة لجميع سيئاته، وزيادة في حسناته، ورفعة لدرجاته .

رحل عن دنيانا علامة قطر، وقاضيها وفقيهها الأكبر، وخطيب مسجدها الأعظم، وأول رئيس لمحاكمها الشرعية، وشؤونها الدينية، ففقدت قطر وبلاد الخليج بل الأمة الإسلامية بفقده أحد علماء الأعلام والقضاة الأثبات والفقهاء الميسرين والدعاة المبشرين، إنه العالم الجليل الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود – رحمه الله رحمة واسعة – وتقبله في عباده الصالحين .

لقد لقى ربه راضياً مرضياً إن شاء الله في 28 من شهر رمضان المبارك 1417هـ، وفي العشر الأواخر المرجوة منه، هذا الشهر الذي طالما خطب ودرس فيه، وأم الناس في صلاة التراويح، يقرأ كل ليلة جزءاً من القرآن الذي من الله عليه بحفظه، في زمن كان حفاظ القرآن فيه في بلاد الخليج قليلين، بل نادرين .

وأشهد أن هذا الرجل كان صواماً قواماً، كثير التلاوة لكتاب الله عز وجل، مشغولاً بالعلم، دراسة وتعليماًً وتأليفاً وقضاء، من كتب التفسير أو الحديث أو الفقه، أو غيرها يقرؤها عليه أحد أبنائه أو أحد تلاميذه، وهو يستمع ويعلق، فهكذا كان يقضي وقته بين العلم " قراءة وكتابة " والعبادة، والإفتاء ، والقضاء، وشؤون المساجد، وأموال القصر، والأوقاف، وحاجات الناس، ولم يكن عنده مجال للهو ولا لهزل، فقد كان عنده من الحق والجد ما يصرفه عن كل هزل وباطل .

كان الشيخ يذهب إلى عمله مبكراً في المحكمة، فهو يعمل أن البركة في البكور، وربما سبق الموظفين جميعاً، وهناك يجلس إلى عمله، يستمع إلى المتقاضين، ويقضي بينهم في ا لقضايا المعضلة بسرعة وحسم، إلا ما أحتاج منه إلى مراجعة أن مشاورة، وقد يرى الإصلاح بين الخصوم، فيجتهد في ذلك ويوفق فيه.

وهو يسهم في قضاء حاجات المحتاجين، وفي نصرة قضايا المسلمين، بما له وجاهة ومنصبه، ويخطب الجمعة في الجامع الكبير – جامع الشيوخ – في موضوعات حية تتصل بحياة الناس، وهو يحضر خطبته تحضيراً جيداً، بحيث يكاد يحفظها، وهو يغذيها بآيات القرآن، وأحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – ويزودها بحكم الحكماء، وشعر الشعراء، مشتملة أحياناً على بعض السجع المقبول، الذي لا يحمل التكلف المرذول، وقد صدرت خطبة في مجلد كبير سماه " الحكم الجامعة لشتى العلوم النافعة " .

لقد عرفت الشيخ ابن محمود منذ قدومي إلى قطر من نحو ستة وثلاثين عاماً، وبعد يومين من تسلمي العمل في إدارة المعهد الديني، أخبرني الأخ الكريم الشيخ علي شحاته – وهو من قدامى المصريين الرواد الذين قدموا إلى قطر وامتزجوا بأهلها وشيوخها – إن الشيخ ابن محمود يقرأ كتابك " العبادة في الإسلام " في مجلسه، ويثني عليك خيراً، وأرى أن تزوره في بيته، قتل له : هذا واجب علي ، أن أزور مثل هذا العالم الذي سمعت عنه من قبل أن أراه، وأتعرف عليه، فالعلم رحم بين أهله، وفعلاً في يومها زرت الشيخ – رحمه الله – في مجلسه ورحب بنا ترحيباً بالغاً وتحدثنا في مسائل علمية مهمة، رأى الشيخ أننا متوافقان فيها .

 

خصائص فقه الشيخ

منهج الشيخ في فقهه ووجهته في الاجتهاد، يعرف من خلال عناصر أو خصائص خمسة هي :

1 – تحرره من التقليد :

تحرره من التقليد والعصبية المذهبية، التي إبتلى بها كثير من العلماء في العصور الأخيرة .

2 – النزعة الواقعية :

معرفته بالواقع المعاش، وما يعانيه الناس فيه، والفقيه الحق هو من يزاوج بين الواجب والواقع، فلا يجعل كل اهتمامه فيما يجب أن يكون، بل فيما هو كائن أيضاً .

3 – النزعة التجديدية :

نزعته إلى " التجديد " فبالتجديد يحيى الدين، وتحيا العلوم الشرعية، وتتجدد الحياة كلها .

ولاغرو أن لمسنا هذه النزعة في كثير مما كتبه مخالفاً المألوف والسائد، مثل ما كتبه عن " الأضحية عن الميت " مؤكداً أن الأضحية إنما شرعت للحي لا للميت.

4 – ميله إلى التيسير :

ميله إلى التيسير على الخلق، ورفع الحرج عنهم، مؤمناً بأن هذا هو نهج القرآن، وهدي النبي – عليه الصلاة والسلام .

وقد كان الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – أعظم الناس تيسيراً على أمته، في تعليمه إذا علم، وفي فتواه إذا أفتى، كما قال : " إن الله بعثني معلماً ميسراً " رواه مسلم، وقال : " إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين " رواه البخاري وغيره ، وألزم الأمة بالتيسير فقال : " يسروا ولا تعسروا " متفق عليه .

والتيسير في الفتوى يحبب الدين إلى الناس، وهم في حاجة إليه، وخصوصاً فيعصرنا الذي كثرت فيه مشاغل الناس، وضعفت هممهم، وهنت عزائمهم، فما أحوجهم إلى التسير .

ومن هنا تبنى الشيخ منهج التيسير في فقه وفي فتاواه وأحكامه، كما في فتواه بإخراج صدقة الفطر بقيمتها من النقود، لما فيها من منفعة الفقراء فيعصرنا .

ومثل ذلك فتواه بالانتفاع بالمقابر القديمة إذا أصبحت في وسط البنيان، وانتهى الدفن فيها من زمن، وغدا الناس في حاجة إليها .

5 – الشجاعة الأدبية:

الشجاعة الأدبية، فقد يوجد علماء متحررون في فكرهم، مشغلون في علمهم، يسيرون وراء الدليل، لا وراء فلان أو علان من البشر .

كان – رحمه الله – يصدع برأيه إذا اعتقد أنه الحق الذي وصل إليه بالدليل لا يخاف لومة لائم . فأحسبه من الذين قال الله تعالى فيهم : { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله } ( الأحزاب ) .

وأود أن أشير هنا إلى قضية في غاية الأهمية، التبس فيها الأمر على الكثيرين من أهل الدين، وهي اعتقادهم أن التيسير على الناس في الفتاوى والأحكام من الأدلة على قلة دين الفقيه والمفتي، وتهاونه في أمر اله، وان المعسر المشدد أكثر ورعاً، وأعظم تقوى له من الميسر، وهذا خطأ كبير .

فإن العالم الذي يفتي بالتيسير يتبع المنهج القرآني، والنبوي في التيسير، ويتبع منهج الخلفاء الراشدين خاصة، والصحابة عامة، ولا سيما علماؤهم مثل حبر الأمة، وترجمان القرآن : ابن عباس الذي اشتهر برخصه . وهو كذلك يريد أن يربط الناس باللين عن طريق التيسير .

خطب مطعمة بالفقه .

لقد أوتي الشيخ ابن محمود " ملكة الفقيه " البصير بدين الله، وبرزت هذه الملكة في إفتائه إذا أفتى، وفي قضائه إ ذا قضى، وفي خطبه إذا خطب .

أجل، تراه في خطبه المنبرية، يطعمها ببعض الأحكام الفقهية التي يحتاج إليها الناس، كما يضمنها بعض آرائه الخاصة، مشيراً إلى ما سنه من نصوص الشرع الجزئية، ومقاصده الكلية، وأضرب لذلك بعض الأدلة .

في خطبته التي جعل عنوانها " الصدقة على المضطرين أفضل من حج التطوع "

وفي خطبته " التذكير بعيد الأضحى " تعرض لحديث أم سلمه الذي رواه مسلم مرفوعاً " من أراد أن يضحي، ودخل العشر، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً " وعقب عليه بقوله : " فهذا الحديث قد اختلف العلماء فيه . فمنهم من أنكر صحته ومنهم عائشة أم المؤمنين ومنهم من حمل النهي على الكراهية، كما هو الظاهر من مذهب الشافعي ومالك ورواية عن الإمام أحمد، ورجحها في الإنصاف، وبعض الأقوال إنه حرام . و متى قلنا إن النهي لكراهية، فإن الكراهية تزول بأدنى حاجة، وعلى كل الأقوال فإنه لو حلق الشخص رأسه، أو أخذ شيئاً من شعر لحيته، أو قلم أظافره في عشر ذي الحجة ، ثم لو أراد أن يضحي فإن أضحيته صحيحة بإجماع أهل العلم، ومثله المرأة لو نقضت شعرها، أو نشلته بالمشط فتساقط منه شعر، وأرادت أن تضحي فإنها تضحي، وأضحيتها صحيحة .كما يباح مباشرة النساء والطيب وغيرهما " .

ومثل هذه اللقطات الفقهية المضيئة كثيرة في خطبة ومؤلفاته وهي تدل على ما قلناه، إن الشيخ فقيه في المقام الأول .

هذا هو الشيخ ابن محمود، لم يكن ملكاً مطهراً ولا نبياً معصوماً، بل هو إنسان مجتهد في خدمة دينه، يصيب ويخطئ ولكن أخطاؤه وهفواته التي لا يسلم منها بشر مغمورة في بحر حسناته ومحيط مزاياه .

لقد كان الشيخ ممن طال عمره، وحسن عمله، إن شاء الله، وكانت حياته حافلة بالعطاء، مؤثرة فيمن حوله من حكام ومحكومين موافقين ومخالفين .

وأشهد لقد كان بيني وبينه صلة وثيقة ومود ومحبة رغم أني قد اختلفت معه في أحيان قليلة ، كما في فتواه في حل ذبائح غير المسلمين والمرتدين، وعدم جواز نقل زكاة الفطر إلى خارج بلاده، ولكن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية فأفضل العلماء تختلف آراؤهم، ولا تختلف قلوبهم .

رحم الله الشيخ ابن محمود وغفر له، وكتبه في المحسنين، وجعله من عتقاء الشهر الكريم، وحشره مع الذين أنعم عليهم من الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وعوض الأمة الإسلامية عنه خيراً .

جمع وإعداد: سعد بن زيد آل محمود

رجوع للخلف