من أعلام المجتهدين

من أعلام المجتهدين

عبد الله بن زيد آل محمود

الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود, ولد في بلدة(حوطة بني تميم) وقد جاء في كتاب ((معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية )) للدكتور علي جواد الطاهر أن الشيخ عبد الله –رحمه الله – ولد في بلدة( المفيجر )من إقليم الحريق (وادي نعام)في جنوبي نجد سنة 1329هـ ولكن أبناء الشيخ ينفون هذا بشدة، وهم أدرى بحالة والدهم، الشيخ عبد الله من أسرة كريمة المحتد،أصلية النسب،

من أعلام المجتهدين

 

العرب

مجلة شهرية جامعة

( الجماديان 1418 ، سبتمبر ، أكتوبر 1997 ) ص 828 – 833 .

عبد الله بن زيد آل محمود

( 1329 هـ / 1417 هـ )

حمد الجاسر

عبد الله بن زيد آل محمود

الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود, ولد في بلدة(حوطة بني تميم) وقد جاء في كتاب ((معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية )) للدكتور علي جواد الطاهر أن الشيخ عبد الله –رحمه الله – ولد في بلدة( المفيجر )من إقليم الحريق (وادي نعام)في جنوبي نجد سنة 1329هـ ولكن أبناء الشيخ ينفون هذا بشدة، وهم أدرى بحالة والدهم، الشيخ عبد الله من أسرة كريمة المحتد،أصلية النسب، تنتمي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب- رضي الله عنهما- وقد تلقى مبادئ العلوم كعادة لداته من أهل ذالك الزمان في قريته، وكانت له والدة صالحة،كثير الذكر لها، كانت توصيه بطلب العلم ، وتحثه على ذالك،فكان أن اتجه لهذه الغاية،وسافر إلى قطر سنة 1355هـ، وعمره 26 عاما،وعاش في كنف ابن عمه سعد بن إبراهيم آل محمود،وواظب على تلقي العلم على يد الشيخ محمد بن عبد العزيز مانع- رحمه الله-فترة،ثم عاد إلى نجد،وفي الرياض تلقى العلم عن الشيخ محمد بن إبراهيم نحو العام، فكان ممن اختاره- لما بدا له فيه من نجابة وصلاح- مع سبعة من طلبته العلم، ليوجههم إلى مكة سنة 1359هـ للقيام بالوعظ والتدريس فيها، فمكث الشيخ عبد الله فترة من الزمن في خلالها التقى بشيخه الشيخ محمد بن مانع حيث واظب على الحضور على مجالسه للاستفادة منه هو وزميل له يدعى محمد بن عبد الرحيم الصديقي.

وفي شهر ذي الحجة عام 1359هـ قدم الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني –حاكم قطر- مكة قاصدا الحج،وبعد أداء الفريضة،طلب الشيخ عبد الله من الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود-رحمه الله- أن يبعث معهم رجلا يتولى القضاء والفتيا، إذ كانت قطر بعد أن غادرها الشيخ محمد بن مانع للاستقرار في مكة،خالية من القضاة والعلماء،فاختاره شيخه الشيخ ابن مانع ليكون خليفة له في تلك البلاد،فتوجه الشيخ مع حاكم قطر للقيام بما أسند إليه من عمل، وتولى رئاستها،ولترتيب أمور القضاة وجميع الشؤون الدينية-بصورة عامة-وتولى رئاسة ذالك منذ عام 1378هـ،ولهذا يعد الشيخ عبد الله مؤسس القضاة في هذه البلاد، بوضع نظام لتسجيل الأحكام والقضايا،ولم يكن القضاة قبله يسجلون أحكامهم،كما أوجد شعبا للقضاة تتلاءم مع ما يستجد للناس من مشكلات مختلفة، فأنشأ ثلاث محاكم شرعية،ثم أسس دائرة للأوقاف سنة 1380هـ تعني بشؤون المساجد ورعاية الأوقاف،وشؤون التركات،وبناء المساجد في البلاد،واختيار الأئمة والخطباء لها،وكان رحمه الله حازما مجدا ونشيطا في القيام بأعماله، فكان يحضر إلى المحكمة في وقت مبكر جدا، ويسعى دائما لحل القضايا - غالبا-بطريق الاجتهاد،والسعي للإصلاح بن المتخاصمين ما أمكن، ومقابلتهم بكثير من الحلم والأناة والصبر،حتى مع من لا يعرف قدره،ممن يرفع صوته أو يأتي بكلام غير لائق به ، فكان يتغاضى عن جميع ذالك،ومن شدة حرصه على مطابقة أحكامه بما يراه حقا أنه كان يقوم بنفسه في مشاهدة ما قد تقع فيه القضية إذا كان عقارا ليتثبت من كل ما يتعلق به من حدود وأوصاف،مع الاتصال بمن يجاوره من السكان.

ومع أنه-رحمه الله- حنبلي المذهب،إلا أنه كان يجتهد،ولا يلتزم التقليد فيما لم يتبين له وجه الحق فيه، ولهذا كان كثيرا ما يتوخى في أرائه وأحكامه ما يراه حقا، بحيث عرفت له أراء اجتهادية في أمور معروفة، منها ما يراه من أن الأضحية عن الميت لا تشرع ما لم يوص بذالك، وقضايا غير هذه أعلم وأشمل،مما له صلة بمستجدات العصر،ولهذا وقع بينه وبين علماء عصره اختلاف في بعضها.

لقد ألف الشيخ-رحمه الله- كتابا سماه (( اليسر في جواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر )) تصدى للرد عليه بعض العلماء الأجلاء-رحمهم الله- .

 

وقد سبقه بالقول إلى هذا أحد علمائنا وهو الشيخ عبدا لله بن سليمان بن منيع في كتاب طبع في الرياض سنة 1386هـ ونشر مسلسلا في جريدة ((اليمامة)).

وألف رسالة بعنوان ((لا مهدي ينتظر بعد محمد خير البشر )) وقد ورد عليه الشيخ حمود بن عبدا لله التو يجري في رسالة دعاها ((الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر))وفي سنة 1375هـ ألف منسكا سماه ((يسر الإسلام،وبيان أشياء من مناسك حج بيت الله الحرام)) تحدث فيه عما يحصل للحجاج عند رمي الجمرات من الزحام والضيق والأذى،وأورد نصوص أقوال العلماء في تحديد وقت الرمي،وقال:(الصحيح الذي ندين الله به، هو أن المعذور بمرض أو ضعف حال أو من يخاف على نفسه أو حرمه حطمة الرجال، فإنه يسقط عنه الرمي سقوطا مطلقا بلا بدل).

وقال أيضا:(والأمر الثاني:أنه يجوز له رمي الجمار من ليل أو نهار ) إلى أن قال:بعد إيراد أراء العلماء:(فقول هؤلاء العلماء في توسعة وقته وهو مما تقتضيه الضرورة وتوجبه المصلحة في مثل هذه الأزمة،على إبراز بعض الحقائق التي قد تخفي على مثل من يعالج هذه الأمور من العلماء في المعاملات التي استجدت في هذا العصر ، ولم يكن للسلف الصالح في الماضي لهم من الآراء ما يوضح حكمها الشرعي ، و كلها تدور حول رفع الحرج عن هذه الأمة ، دون المساس بأي شيء من القواعد الشرعية الثابتة .

 

و قد عرفت الشيخ رحمه الله أثناء وجوده في مكة المكرمة ، ثم ازدادت المعرفة بالتواصل بعد أن قام مقام شيخه في تولي منصب القضاء ن و غيره من الأمور الدينية في دولة قطر ، و كنت ارجع إليه للاستيضاح عن بعض أنساب الأسر التي له بها صلة و معرفة ، فكان لي نعم العون في ذلك .

و لما نشر منسكه في سنة 1375 هـ أكرمني ، فبعث إلي نسخة منه ، فتحدثت عنه بحديث نشر في (( اليمامة )) بتاريخ 15/1/1376 هـ ، و لم يرق لبعض علمائنا رحمهم الله – و بعد نشر هذا المنسك دعي إلى الرياض ، فأوضح له أولئك العلماء وجه رأيهم حيال بعض المسائل التي تعرض لها ، و أقنعوه بصحتها و بمخالفة آراءه ، فاعتذر ، و

ألف شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي المملكة منسكا ، أوضح فيها تلك المسائل و نشر سنة 1376 هـ ، باسم (( تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك )) .

و لا شك أن الشيخين الجليلين – تغمدهم الله بواسع رحمته – قصدا بما أبدياه من آراء – مهما بدا بينهما من الاختلاف – غاية سامية هي خدمة هذه الأمة بإيضاح ما يريانه حقا – فجزاهم الله أحسن الجزاء و أجزل مثوبتهما - .

و عندما دعيت لحضور ( المؤتمر العالمي الثالث للسيرة النبوية ) الذي عقد في الدوحة في محرم مطلع عام 1400 هـ ، دعا إلى منزله عددا ممن حضر المؤتمر ، و كنت من بينهم ، و كان من حديثه إذ ذاك : ( أن فلانا – يعنيني – هو الرجل الذي دافع عني ) و استرسل في الثناء عليه .

و بعد بضع سنوات زرت الدوحة أنا و الأخ الأستاذ عبد الله بن خميس ، فذهبنا للسلام عليه في الصباح الباكر ، و كان إذ ذاك في ( المحكمة ) فوجدناه مشتغلا في النظر بقضية خصمين حاضرين ، فجلسنا غير بعيدين ، فلما انتهى منهما ، و كان نظره – رحمه الله – قد ضعف ، ظن أن بيننا قضية ، فاستوضح عنها ، و لكننا و قد سبق أن عرف اسمينا قبل جلوسنا – و دعانا كخصمين ، فكررنا له التعريف ، فاعتذر – رحمه الله – بالكبر ، وحدد لنا وقتا لزيارته في البيت ، فاستقبلنا استقبالا حسنا .

لم يكن الشيخ – رحمه الله – يعني بنفسه من حيث الحفاظ على الصحة ، و الاعتناء بالغذاء ، و لهذا عاش ضعيف الجسم ، مرهقا ، لكثرة ما يزاوله من أعمال القضاء و غيرها من الشؤون الدينية الأخرى ، يضاف إلى هذا أنه يشغل جل أوقاته بالمطالعة أو الاستماع إلى قراءة أحد طلابه للاستزادة من المعرفة في مختلف العلوم ، فهو في ذالك لا يقتصر على ما يدخل في حدود اختصاصه من العلوم الشرعية فحسب بل يعني بالتوسع في دراسة الأحاديث،وفي تاريخ الإسلام،وتراجم أعلامه، وله إلمام بالأدب والشعر، يحفظ الكثير من القصائد الحكمية والأمثال العربية التي يستشهد بها كثيرا في أحاديثه وكتاباته، وعند اجتماعه بمن يعنون بهذه الأمور، وكان رحمه الله ذا مواقف حيدة في توجيه كثير من الحكام لتطبيق الشريعة والعمل بها،وله منزلة لدى كثير منهم،يجلونه ويحترمونه، ويتقلبون ما يبد من نصح، وقد يستعينون به في حل بعض المسائل المستعصية لدى بعض القضاة والعلماء ، ومع كل ذالك متصفا بغاية الورع والزهد والعفة والتباعد عن كل ما يؤثر في منزلته العلمية، مما أوجد له محبة عظيمة في نفوس الخاصة والعامة مع ما يتميز به من عطف ورعاية للمحتاجين واهتمامه بشؤونهم، وتفقد أحوالهم.

لقد كان –رحمه الله- علما من علماء هذا العصر، دينا وخلقا وسعة اطلاع وحرصا على خدمة الإسلام والمسلمين، ولكنه مع كل ذالك كغيره ليس معصوما إنما نيته الطيبة، وإخلاصه في عمله، وحرصه على خدمة الإسلام و المسلمين كل ذالك يشفع له فيما قد يكون بدر منه من خطأ ارتكبه عن غير قصد.

 

مؤلفاته:له رحمه الله كثير من الرسائل، والفتاوى جمعت في مجموعة نشرت في ثلاث مجلدات تحوي جل الفتاوى والرسائل، كما له كتب أخرى في الوعظ والإرشاد منها((الحكم الجامعة لشتى العلوم النافعة)) ومنها ما لم ينشر حتى الآن.

 

وفاته: في يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 1417هـ توفه الله بعد مرض امتد به فترة من الزمن، وكان في أخرها في شبه غيبوبة، حتى انتقلت روحه إلى بارئها، وقد صلى عليه صلاة الغائب في المسجد الحرام في مكة المكرمة، تغمده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته.

جمع وإعداد: سعد بن زيد آل محمود

رجوع للخلف