مذكرات القرضاوي

مذكرات القرضاوي

ومما أذكره بالنسبة للإذاعة أني وجدت الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية، العالم البحاثة الكبير يتتبع برنامجي في الإذاعة، ويستمع إليه. وفي زيارة له قال لي: أريد أن أجلس معك جلسة خاصة، فقلت: على الرحب والسعة. قال: إني سمعت كثيرا من إجاباتك على أسئلة السائلين، وهي موفقة إلى حد كبير، ولكن لي ملاحظة على أربع إجابات، أرجو أن تراجعها.

مذكرات القرضاوي

الحلقة الثانية عشرة: مأساة أيلول الأسود

 

 

ملاحظات الشيخ آل محمود

ومما أذكره بالنسبة للإذاعة أني وجدت الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية، العالم البحاثة الكبير يتتبع برنامجي في الإذاعة، ويستمع إليه. وفي زيارة له قال لي: أريد أن أجلس معك جلسة خاصة، فقلت: على الرحب والسعة. قال: إني سمعت كثيرا من إجاباتك على أسئلة السائلين، وهي موفقة إلى حد كبير، ولكن لي ملاحظة على أربع إجابات، أرجو أن تراجعها.

قلت: ليس في العلم كبير، وفوق كل ذي علم عليم. وتحدث معي في هذه المسائل الأربعة، نسيت اثنتين منها، وأذكر اثنتين:

أولاهما: قضية تارك الصلاة. قال الشيخ: رأيتك متساهلا فيها، والأحاديث الصحيحة تكفر تارك الصلاة، وهو المشهور عن الإمام أحمد وبعض السلف.

قلت: يا فضيلة الشيخ، أنا لست متساهلا في أمر تارك الصلاة، وقد ذكرت حكمه في كتابي "العبادة في الإسلام" ولكني أتحرى وأتثبت في قضية التكفير.

وأنا مع جمهور الأئمة (أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم) في تفسيق تارك الصلاة لا تكفيره، إذا كان تركها على سبيل الكسل، أما من تركها منكرا لفرضيتها أو مستخفا بأمرها؛ فهو كافر ولا شك.

والأحاديث التي تكفر تارك الصلاة مؤوّلة، كما أُوِّل غيرها؛ حتى لا تتناقض مع أحاديث وآيات أخرى، حتى إن ابن حزم -وهو رجل ظاهري كما تعرف فضيلتك- لا يكفِّر تارك الصلاة، وابن قدامة الحنبلي يقول: لم ينقل في بلد من بلدان المسلمين أنهم تركوا صلاة الجنازة على تارك للصلاة، أو لم يدفنوه في مقابر المسلمين.

على أن الحنابلة أنفسهم لا يحكمون عليه بالكفر إلا بعد أن يدعوه الإمام أو القاضي إلى الصلاة، فيرفض ويأبى.

والقضية الأخرى: قال الشيخ: إنك تقول: إن المطر ينزل من السحاب، وليس من السماء، والقرآن يخبرنا أن الله أنزل من السماء ماء. ونقل الشيخ كلاما عن ابن القيم في بعض كتبه حول نزول المطر من السماء.

قلت للشيخ: يا مولانا، ابن القيم على أعيننا ورؤوسنا، وهو حجة في الشرعيات، وليس حجة في العلوم الطبيعية والكونية، وكل علم يؤخذ من أهله، كما قال تعالى: "فاسأل به خبيرا" [الفرقان: 59]، "ولا ينبئك مثل خبير" [فاطر: 14].

والعلوم الطبيعية التي اقتبسها الغربيون منا ثم تفوقوا فيها اليوم -كما نرى- حتى أمسى الإنسان يطير في الهواء، ويغوص في الماء.. هذه العلوم تقول: إن المطر ينزل من السحاب، والسحاب يتكوّن من البخار الذي يتكون من ماء البحار والمحيطات، حتى إذا وصل إلى درجة معينة من البرودة سقط مطرا.

والقرآن يشير إلى أن أصل الماء كله من الأرض، كما قال تعالى: "والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها" [النازعات: 30-31].

والعرب في شعرهم الجاهلي أشاروا إلى هذه الحقيقة الطبيعية، فقال شاعرهم أبو ذؤيب الهُذلي في وصف عن السحب:

شربن بماء البحر ثم ترفّعت متى لجج خضر لهن نئيج![1]

والنئيج: الصوت المرتفع، وهو صوت أمواج البحر وهي تتلاطم.

وقال آخر في موقفه من ممدوحه:

كالبحر يمطره السحاب وما له فضل عليه لأنه من مائه!

وهذه حقيقة أصبحنا نشاهدها بأعيننا حين نركب الطائرات؛ فتعلو بنا فوق السحاب، فربما تكون الأرض ممطرة، ونحن نشاهد الشمس ساطعة مشرقة فوق السحاب، فإذا أردنا الهبوط اخترقنا السحاب لننزل إلى الأرض.

وأما قوله تعالى: "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" [الفرقان: 48] وأمثالها من الآيات فلها تأويلان:

أحدهما: أن معنى من السماء: من جهة السماء.

وثانيهما: أن السماء يُقصَد بها السحاب، بناء على أن السماء عند العرب: كل ما علاك، وفيه جاء قوله تعالى: "فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ" [الحج: 15]، فالمراد بالسماء هنا: السقف.

وسكت الشيخ رحمه الله، ويبدو لي أنه لم يقتنع بما قلته. فهذه أفكار جديدة تصطدم بما استقر عنده من معلومات راسخة تلقاها عن مشايخه الثقات، وعن كتبه ومصادره التي يعتز بها.

وقد سبق للشيخ رحمه الله أن أنكر صعود الإنسان إلى القمر، وقال: هذا من أخبار الآحاد التي يمدح فيها الإنسان نفسه بما يزعم أنه أنجزه!!

قلت له: يا شيخنا هذا ليس خبر واحد من الآحاد، إنما هو حدث تشارك فيه دول، وتتنافس عليه دول، ولو افترضنا أن الأمريكان يكذبون؛ فكيف يسلم لهم منافسوهم الروس وغيرهم؟

وهذا يدلنا على أن التكوين القديم لمشايخ العلم الديني في منطقة الخليج كان ينقصه شيء مهم، وهو دراسة العلوم الكونية من الفيزياء والكيمياء والأحياء (علم الحيوان وعلم النبات) والرياضيات، وكذلك الجغرافيا الفلكية والطبيعية وغيرها.

وهو ما تنبه إليه الأزهر من قديم؛ حيث درس ذلك شيوخنا، وشيوخ شيوخنا. وقد سموا هذه العلوم "العلوم الحديثة"، وهي في الواقع علوم قديمة، وهي علوم المسلمين في الأصل، اقتبسها الغربيون منهم وطوروها، وأضافوا إليها، حتى بلغت في عصرنا مبلغا هائلا، وهو ما سموه الثورات العلمية: الذرة النووية، والثورة الفضائية، والثورة الإلكترونية، والثورة البيولوجية، وثورة الاتصالات، وثورة المعلومات.

جمع وإعداد: سعد بن زيد آل محمود

رجوع للخلف