مجموعة رسائل الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود

مجموعة رسائل الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود

فهذا الجزء الثاني من رسائل العلامة الشيخ عبدالله بن زيد المحمود – رئيس المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دولة قطر . أقدمه للقارئ الكريم وفيه طائفة من رسائله ، التي كتبها في أوقات متفاوته، وأزمان متباعدة، وظروف مختلفة حسب الحاجة، أو جواباً على طلب من دولة، أو مباحثه مع عالم، حيث يظنها البعض غير مترابطة، غير أن المتمعن فيها يجد بينها صلة وثيقة لأنها تغترف من الأصل الذي عيه اعتماد المسلمين في أمور دينهم ودنياهم بل وفيه أيضاً السعادة لغير المسلمين لو أنهم عملوا بموجب ألا وهو : كتاب اله الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،

مجموعة رسائل الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود

رئيس المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر

الجزء الثاني

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله النبي المرسل رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه من العلماء العاملين، والدعاة الهادين المهديين إلى يوم الدين .

أما بعد :

فهذا الجزء الثاني من رسائل العلامة الشيخ عبدالله بن زيد المحمود – رئيس المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دولة قطر . أقدمه للقارئ الكريم وفيه طائفة من رسائله ، التي كتبها في أوقات متفاوته، وأزمان متباعدة، وظروف مختلفة حسب الحاجة، أو جواباً على طلب من دولة، أو مباحثه مع عالم، حيث يظنها البعض غير مترابطة، غير أن المتمعن فيها يجد بينها صلة وثيقة لأنها تغترف من الأصل الذي عيه اعتماد المسلمين في أمور دينهم ودنياهم بل وفيه أيضاً السعادة لغير المسلمين لو أنهم عملوا بموجب ألا وهو : كتاب اله الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتنزيل من عزيز حميد لذلك وقلّ أن تجد أمراً تطرق إليه المؤلف إلا وقدم الآيات الكريمة من كتاب اله مستدلاً لما ذهب إليه من الأقوال، ويساند ذلك ويساعده اعتماده على الحديث النبوي الشريف .

ومن أخذ بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقد هُدي إلى الصراط المستقيم . أقول هذا ولا أزعم أن المؤلف معصوم من الخطأ ولكنني أردد ما سبق وقلته في تقديم الجزء الأول : " ولقد بذل فضيلة الشيخ المؤلف في هذه الرسائل الجهد والوسع وتحري فيها المصلحة العامة، واجات الناس التي تختلف، وأبى الله العصمة لغير كتابه وإن العالم المخلص الصادق يبذل الجهد للوصول إلى الحق، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، ولا تثريب عليه، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وستجد بين يديك أول هذه الرسائل رسالة الجهاد .

والجهاد ذروة سنام الإسلام والموت في سيل الله من اسمى ما يسعى إيه المؤمنون الصادقون، وأنواع الجهاد كثيرة متعددة ومنها الجهاد بالسيف، والجهاد بالقلم، والجهاد بالمال، والرأي ... الخ . وقد انحرف بعض الناس عن فهم المعنى الصحيح للجهاد فحمّلوه مالا يحمل وبثّوا في كتبهم وخطبهم كلاماً لو تأمله أصحابه لوجدوه بعيداً عن روح الإسلام غريباً عن سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم . الأمر الذي جعل البعض يتصور الإسلام دين قتل وتعذيب والدعوة إليه لا تكون إلا بالسيف المصلت على الرقاب، وكأن المسلمين من القتلة ، والسفاكين، والواقع أن حقيقة هذا الدين هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأول المعروف دعوة الناس إلى الإيمان بالله الواحد الذي لا شريك له إيماناً يشمل ما لله من صفات، وما لذاته من قدر، والتصديق بالنبوة، وإنه سبحانه أرسل رسلاً ليدلوا الناس على هذا الخير الذي يه مصلحتهم في دنياهم وأخراهم .

وهذا كتاب الله بين أيدينا لا نجد فيه ما يدل على ما فهمه هؤلاء الناس، بل وهذه سيرته صلى الله عليه وآله وسلم، مليئة بالأخبار عن معامتله لغير المسلمين مما يتنافى مع فم وعمل هؤلاء الأدعياء المتشدقين، بل الذي نجده في كتاب الله ( لا إكراه في الدين – 2م256 ) و ( أفأنت تكره لناس حتى يكونوا مؤمنين 1/99 ) . ونحن لا ننكر أن القتال هو ذروة الجهاد ولكن الذي لا نقبله أن تكون الدعوة للدين، بالتخويف، بالقتل، وإنما تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وهو الأمر الذي يثبت في القلب وهو المشاهد في كل الأديان والدعوات والآراء حتى في صغير الأمر وحقيره .

ولا نجد أن النبي صلى الله عليه و سلم حارب أحداً من المشركين والكفار عرباً كانوا أو غير عرب لأجل إدخالهم في الإسلام .

وإنا وجدنا أن السبب في قولهم إنما هو التقليد الأعمى – وما كثر ما سبب التقليد من انحرافات – فإنهم تناقلوا هذا القول من غير عرضة على كتاب الله أو مقارنته على أفعال رسول الله صلى الله عليه و سلم ولو أنهم فعلوا لتبين لهم الحق من الباطل ولكن رضاهم بالاعتقاد والفقه والرأي من غير دليل صرفهم عن الحق الذي تدركه عقولهم بال شك ولا مراء ولكنهم، أغلقوا كتاب الله ( إلا للتبرك ) وعطلوا سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم بتعطيلهم الاستدلال با إلا إذا وافقت المذهب وما أبشع ما قاله أحدهم : (كل آية أو حديث ليس عليه مذهبنا فهي منسوخة أو مؤولة !!)

وقد انتشرت رسالة الشيخ عبدالله بن زيد عن الجهاد في طبعات متعددة قبل أن تتوج هذا المجموع ، وقد نالت الاستحسان والتقريظ والثناء الجميل من عدد كبير من أهل العلم والرأي، بل إنك تجد ما يؤيدها في أقوال العلماء من عهد الصحابة إلى عصرنا الحاضر ومن أبرز من وضع هذا الشأن الإمام الأوزاعي وشيخ الإسلام ابن تيمية . والسيد محمد رشيد رضا وغيرهم من العلماء ولما كانت كل فضيلة لا تظهر ظهوراً كاملاً إلا أن يقيّض لها لسان ناقض ومعترض وحاسد؟؟!! فقد ألف أحدهم رسالة في الرد على الشيخ ابن محمود مخطئاً له فيما ذهب إيه مستدلاً على ذلك بأقوال لبعض متأخري المذاهب من المقلدة الذين منتهى ما يرجعون إليه المتون وبعض الحواشي البعيدة عن الدليل بل المنافية أيضاً لأقوال أئمة المذاهب المعتبرين ،وما كان رد هذا المسكين إلا سبباً من أسباب تداول الناس سراً وجهراً لرسالة الجهاد .

ولم يكتف صاحب هذا الرد بالتعريض بالشيخ ابن محمود بل صرح بنقد مجمل لعدد من العلماء رامياً إياهم بسوء النية وساد القصد مع أنه لو ذكر مواطن مخالفاتهم بأمانة ورد عليها بعلم لكان عمله مشكوراً عند الناس مأجوراً عند الله . سواء أخطأ أو أصاب، وأما رمي الناس سوء النية فإنه أمر خطير يحسن بالمسلم أن يتجنبه . لأنه من أمور القلوب التي لا يعلم ما تنطوي عليه إلا علام الغيوب، ونحن ليس لنا إلا الظاهر وعليه مدار أحكامنا نسأل الله السلامة .

ومنها هذه الأمور التي طنطنوا حولها وصوروا بلاد الإسلام وأحكامه بصورة تخالف الواقع وتظاهروا بالرد على ما أشاعوه هم بأنفسهم، غير أن المطلّع الخبير والعاقل البصير يدرك أنهم هم أصحاب تلك الفتنة وهم الذين أعطوا الخصم الحجة القوية وسعوا إلى مراكز ديانة الكفار وعواصهم ليدافعوا بالحجج الضعيفة الواهية، ثم رجعوا ليمتنوا على الإسلام والمسلمين بما فعلوا ؟؟ مع أن ما فعلوه من تهديم أعظم معقل للإسلام !! أكبر بكثير من تلك المكاسب المزعومة عاملهم الله بما يستحقون .

وليس بخافٍ على أحد من المسلمين ما تعرضت له الشريعة الإسلامية من حرب لاهوادة فيها من قبل أعداء هذا الدين الحاسدين والمدلسين وأكثر ما كانت حروبهم على الأحكام الشرعية الأمر الذي أدى إلى ضياعها ي كثير من بلاد المسلمين وما بقي منها فغنه أقل القليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع .

وقد بقيت بعض البلاد بعيدة عن التأثر بدعوات النابذين للأحكام الشرعية الداعين إلى تطبيق الأحكام الوضعية بدعوى ( تقنين التشريع ) وهي ي ظاهرها تدليس على المسلمين وعلى الأخص أهل تلك البلاد الكريمة التي ما زالت تحكم بالشريعة الإسلامية وتنفذ الأحكام يها من قبل المحاكم الشرعية والرئاسات الدينية .

وحقيقة هذه الدعوات هي الاحتكام للطاغوت والأخذ بالقانون الروماني الذي تشبثت به أدمغتهم وتشربته قلوبهم وعاشوا على حبه في بلادهم وية تهم ونشأ عليه أبناؤهم وأهلوهم وبثوه في كتبهم ومؤلفاتهم ودندنوا حوله في اجتماعاتهم ومجالسهم .

وقد قامت منذ سنوات دعوات مشبوهة في ذاك البلد الطاهر يؤججها سراً بعض من طرأ على تلك البلاد متفيئاً ظل حكامها الوارف مستغلاً كرم أهلها المعروف.

ولما كانت قطر العزيزة وما جاورها من بلاد تتأثر بكل ما يحدث في وسط الجزيرة فقد كثرت التساؤلات حول موضوع ( تقنين الأحكام الشرعية وتغيير المحاكم الإسلامية ) لكتب الشيخ إبن محمود هذه الرسالة الصغيرة ويكفيك عنوانها للدلالة على ضلال أصحاب دعوة التقنين ومقاصدهم السيئة ومخالفاتهم لأحكام الله عز وجل فإنه سماها ( الأحكام الشرعية ومنافاتها للقوانين الوضعية ) مبيناً أن هذه الأحكام : هي دستور المسلمين، وقانون فضائلهم وفرائضهم ومنهاج سيرتهم وسيرهم يستضيئون بنور الله، ويحكمون بما أنزل الله اتباعاً لقوله سبحانه ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فغن تولوا فالعم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم . وأن كثيراً من الناس لفاسقون . أفكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقول يؤمنون ) وقد مكث الناس من عهد رسول الله حتى عهد قريب في أكثر مشارق الدنيا ومغاربها يتحاكمون إلى الشريعة الغراء راضين بحكمها قابلين بعدلها .

أما النظم البشرية فإنها لم تكفل للبشر سعادتهم وما أمنت لهم راحتهم وما حلت من مشاكلهم إلا اقل القليل الأمر الذي سهل ارتكاب الجرائم حيث لا قصاص ولا حد ولا تعذير .

فإبدال شريعة الدين بشريعة القوانين من الضلالة المبين والبلاء على الناس أجمعين لأنها محض آراء قوم لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الزنا، والربا، والقمار، وشرب الخمر، ولا يدينون دين الحق، وهي مبنية على عز الدين عن الدولة وتبيح للناس ما حرم الله عليهم من أكل الربا أضعافاً مضاعفة ، وكما تبيح الزنا الواقع بالتراضي إذا لم يطلب زوجا أو أحد أقاربها منعها .

وتحكم بصحة ربا النسيئة الذي اتفق الكتاب والسنة، وأجمع علماء الأمة على تحريمه، فهي تلزم بدفعه إلى المرابي من بنك وغيره .

بل إنك تجد أصحاب دعوة تقنين الشريعة يتولون الدفاع عن هذا الربا بمختلف أنواعه وأشكاله صراحة ووقاحة لا تدليساً ولا تلبيساً، وهو معروف عنهم غير خاف على أحد يعرفهم . ممن تقلهم الغبراء، وتظلهم الزرقاء .

فكانت هذه الرسالة حجراً في فم أعداء الدين ومستنداً للحكام في إيقاف أصحاب هذه الدعوة عند حدهم ومنعهم من الخلط في هذه المسائل التي تفسد على الناس دينهم بل وتكون مسبة وعاراً على كل من يرضي بها وله قدرة على منعها حاكماً كان أو محكوماً آمراً أو مأموراً .

وخلاصة القول ، فإن هذه الرسائل التي بين يديك بذل يها المؤلف الجهد لنصحك وإفادتك أيها القارئ الكريم، وهو أمر يشكر عليه ونرجو الله أن يغفر لنا وله ولجميع المسلمين الزلل، وأن يجعلنا من عباده الصالحين وعباده المتقين الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

بيروت

زهير الشاويش

 

 

جمع وإعداد: سعد بن زيد آل محمود

رجوع للخلف