علامة قطر سماحة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود

علامة قطر سماحة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود

تولية القضاء في قطر ونهجه في ذلك :

في مطلع شهر ذي الحجة عام 1359 هـ قدم الأمير المفضال الشيخ / عبد الله بن قاسم آل ثاني ـ رحمة الله ـ إلى مكة قاصداً الحج وبمعيته وصحبته ابنه الأمير حمد بن عبد الله ـ رحمه الله ـ وعدد من كبار الأسرة و الأعين وبعد أداء فريضة الحج طلب من الملك عبد العزيز

علامة قطر سماحة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود

حياته وآثاره

1327ــــ 1417 هـ

بقلم

عبد الرحمن بن يوسف الرحمة

ـ عفا الله عنه ـ

 

 

تولية القضاء في قطر ونهجه في ذلك :

في مطلع شهر ذي الحجة عام 1359 هـ قدم الأمير المفضال الشيخ / عبد الله بن قاسم آل ثاني ـ رحمة الله ـ إلى مكة قاصداً الحج وبمعيته وصحبته ابنه الأمير حمد بن عبد الله ـ رحمه الله ـ وعدد من كبار الأسرة و الأعين وبعد أداء فريضة الحج طلب من الملك عبد العزيز

ـ طيب الله ثراه ـ أن يبعث معهما برجل يصلح للقضاء والفتيا حيث كانت قطر في ذلك الوقت بدون قاضٍ عالم بعد أن غادرها الشيخ العالم محمد بن مانع ـ رحمه الله ـ وقد وقع الإختيار عاى الشيخ عبد الله بن محمود ـ رحمه الله ـ وذلك كله بإيعاز من الشيخ بن مانع لما علم عنه من اتساع في المدارك العلمية والشرعية وقوة شخصيته ونفاذ بصيرته وتعمقه في الأحكام العلمية والعملية فصدر الأمر اليه بالتوجه معهما في السنة نفسها حيث تقلد القضاء في أواخر ذو الحجة عام 1359 هـ وقيل بل في 15 ذو الحجة عام 1369 هـ ومنذ ذلك الوقت وحتى وفاته ـ رحمه الله ـ وهو مرجع الفتيا في دولة قطر والقاضي العادل ومؤسس القضاء الشرعي فيها ومنشئ نظام تسجيل الأحكام والعقارات وراعي دائرة ألأوقاف والتركات والتي كان من مهامها إنشاء المساجد وصيانتها وحفظ الأوقاف ورعاية أموال اليتامي واستثمارها وتبنى ـ رحمه الله ـ منهجاً فريداً يتمثل في قيام المحكمة الشرعية بإستثمار أموال اليتامى وتنميتها لحين بلوغهم سن الرشد واستمر ـ رحمه الله ـ في القضاء أكثر من سبعة وأربعين عاماً كان خلالها مثال النزاهة والعدالة ومقصد الناس وفض خصوماتهم وقبلتهم في إصلاح ذات بينهم بل كان ـ رحمه الله ـ يسهم بماله الخاص وجاهه إذا كان الخصم فقيراً يحتاج لمساعده مالية أو معنويه كان ذلك دأبه في كل قضاياه ودينه في كل حال .

وكان ـ رحمه الله ـ حريصاً أشد الحرص على الأنصاف والعدل في طرحه لأحكامه فلا يخرج أحد من المحكمة إلا وهو راض بالحكم الشرعي سواء كان له أو عليه وهذا مما يدل على حبه للعدل والأنصاف والحكم بين الناس بالقسطاص المستقيم .

وكان ـ رحمه الله ـ يجتهد في ألا تطول القضايا ولا تتشعب لتخرج عن مسارها وموضعها ولا تطول الجلسات تلو الجلسات للقضية الواحدة وكان ـ رحمه الله ـ يقف بنفسه لمعاينة مكان الخلاف ويتأنى كثيراً قبل إصدار حكمه ومتى ما اتضح له الحق حكم به .

وفق هذا كله فالقضاء عمل شاق وصعب يحتاج إلى صبر وتضحية وجلد وإخلاص لكنه يسير على من يسر الله عليه الأمر كأمثال الشيخ ـ رحمه الله ـ

أن سيرة الشيخ أبن محمود ـ رحمه الله ـ في القضاء سيرة عطره فيها من القيم والتضحيات ماتبهر الألباب وهي صورة مشرقه بما كان عليه القضاء في سالف الأزمان من علم وإيمان وحكم وعدل وهي سيرة ينبغي أن يسير على منوالها ويقتفي أثارها من رام أن يسير في الناس

ـ خاصة القضاة ـ بالأنصاف والعدل وليت بعض من له صلة بالشيخ ـ رحمه الله ـ في عمله القضائي أن يكتب عنها بتفصيل أوسع وبيان اشمل وليس راءٍ كمن سمع .

وفي الجملة فأن الشيخ أبن محمود ـ رحمه الله ـ علمً من إعلام القضاء الشرعي في بلاد الإسلام يأتم به الهداة من الناس ويعرفون له قدره وكم من مادح للشيخ ـ رحمه الله ـ مبين لفضله يعرف كبير أثره وعظيم جهده في استتباب العدل والإنصاف في قطر .

وكان ـ رحمه الله ـ يرى أن من أهم واجباته تبين أحكام هذا الدين العظيم للناس فلذا خصص وقتاً للإفتاء والدرس فدرس جمله من الكتب من علوم الحديث والفقه والتفسير وخصص وقتاً لحوائج الناس والشفاعة لهم ومد يد العون من ماله الخاص وجاهه وهذا كرم منه وسنة حسنه أخذها من شيوخه الأبرار الأطهار ـ رحمهم الله جميعاً ـ

 

3ـ الكرم :

إن هذه الصفة لمن أبرز ما تميز بها الشيخ ابن محمود ـ رحمه الله ـ فقد كان من الكرماء الأجواد بل هو حاتم زمانه ومكانه ولم تكن فيه تلك الصفة ـ أي الكرم ـ تطبعا وتصنعا وتكلفا بل هي سجية ملازمة له ـ رحمه الله ـ ولذا فإنه كان يفرح بالضيوف كثيرا يكرمهم ويداعبهم ويخدمهم بنفسه وقلما يأكل طعامه وحده وفي هذا الصدد يقول الشيخ عثمان الصالح ـ حفظه الله ـ (أما الكرم فهو بحر ساحل له لا يأتي ضيف إلى حاكم دوله قطر إلا وهو بعد الحاكم لليوم الثاني عنده مدعوا مكرما وكان لا يسلم عليه قادم إلا ويحظى بقدر من التكريم واذكر أننا قمنا يوما في عطلة العيد واخترنا قطر لتكون فوجئنا في اليوم الثاني ـ وكنا ساكنين في نخل جميل سامق وحوليه أشجار (القرط) الظليلة فما علمنا إلا برجل يقف علينا ويقول بدون مقدمات الشيخ عبد الله رئيس القضاء يدعوكم إلى بيته فقلنا :ومن عرفه بنا ؟ فقال (أنا رسول والرسول يبلغكم الأمر ) على انه لم يعرف أسمائنا ولكنه تفرس أننا غرباء من السعودية تمهلنا قليلا فلم نعلم إلا ورسول ثان يأتي ويقول الشيخ في انتظاركم فما كان منا إلا بادرنا للذهاب إليه وسلمنا عليه وسألنا عن أسمائنا فوجدت أنه يعرفني وتناولنا عنده الغداء وعلمنا بان لديه رجالا يخبرونه بمن قدم ومن حل في أرجاء قطر وعاتبنا على عدم مبادرتنا )

قلت :

وهذه صورة مشرقة جلية لما كان عليه العلامة ابن محمود ـ رحمه الله ـ من كرم وحب للخير وجود بل إنه ـ رحمه الله ـ كان يفرح جدا ويتهلل وجه سرورا إذا أخبرته أنك بادرته قبل أي واحد بالمجيء إليه على حد قول ذاك :

أداعب ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب

وما الخصب للأضياف أن تكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب

وكان ـ رحمه الله ـ يطبع الكتب ويوزعها من ماله الخاص ولا يرد يد سائل فهو كريم إلى مالا يتصور ـ رحمه الله وأسكنه الجنة ـ آمين .

4ـ زهده:

كان ـ رحمه الله ـ يرفض فضول الدنيا ولذاتها الفانية حريصا على الآخرة لأنها الدار الباقية فلذلك كان كثير الإنفاق في سبيل الله ويدعم المشاريع الإسلامية والهيئات الخيرية وكان زاهدا في ملبسه مع أنه قادر على التنعم والترفه وهذا هو الزهد الحقيقي أن تملك الشيء ثم تزهد فيه) .الذي عناه أئمة السلف بقولهم

والشيخ ابن محمود ـ رحمه الله ـ كان قادرا على الدنيا ولكنه ـ رحمه الله ـ كان مشتغلا بالآخرة طالبا لها على حد قول الشاعر :

 

إن لله عبـــــادا فطنـــــا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علمــوا أنها ليســــت لحي وطنـــا

جعلوها لجـــة واتخــــذوا صالح الأعمال فيها سفنــا

5ـ الرحمة:

كان ـ رحمه الله ـ رحيما مع الصغير والكبر والفقراء والمساكين وكان يبذل جاهه وماله للناس رحمة بهم وشفقة عليهم ويقضي متطلباتهم يعظهم ويذكرهم وأما مع أهله فدائما يكون في خدمتهم يقضي حاجتهم ويربيهم على الأخلاق الكريمة وأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويبين لهم طرق الخير والهدى ويحذرهم من طرق الشر والردى .

وهذه الصفات هي أخلاق الرحماء (فبما رحمة الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك ) وكان ـ رحمه الله ـ رحيما باليتامى والمساكين ولهذا عرف في قطر أنه أبو اليتامى والمساكين لماله من أياد بيضاء في مساعدتهم والوقوف معهم وقضاء حاجاتهم .

6ـ الإنفاق :

في سبيل الله:وهذه خصلة من أبرز ما تحلى بها الشيخ ابن محمود ـ رحمه الله ـ فقد كان حريصا كل الحرص على الإنفاق في سبيل الله وداعما بماله وجاهه الأعمال الخيرية التي بها حياة أمم وإقامة جهاد في سبيل الله ولم يكن أحد يعلم عن ذلك شيئا وكان يتبرع من ماله الخاص بالشيء الكثير منفقا في أوجه الخير وكان يقول لهذا المال شركاء ـ فعليه رحمه الله ورضوانه ـ ما ذكر المحسنون المنفقون في سبيل الله .

 

7ـ التجاوز والاعتذار وعدم الانتقام:

 

وكان ـ رحمه الله ت يتجاوز اعتذار وعدم غضب وانتقام عملا بقول الله تبارك وتعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )

ولم يكن يغضب لنفسه أبدا ولكن تصول صلاوته وتظهر جولاته إذا انتهكت محارم الله فإنه يغضب غضبا شديد لله ليس فيه حظ للنفس وللهوى وهذا هو دأب من سلف من علماء الآمة الهداة وأئمتها النبلاء الفضلاء بل هو هدي خير البشر محمد ت ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان الشيخ ـ رحمه الله ت ذا حلم وأناة وسعة صدر وله من جميل الفعال وكريم الخصال ما يفرح به المؤمن عزا ووقارا .

 

8ـ صله الأرحام:

وكان ـ رحمه الله ـ يحرص جدا على صلة أرحامه وزيارة أقاربه يتفقدهم ويسال عنهم ويقضي متطلباتهم وحوائجهم ويعطي كل ذي حق منهم حقه ويحرص على خدمتهم حتى كان محبوبا لديهم جميعا ـ رحمه الله .

 

قلت :هذه بعض من أخلاق الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ـ رحمه الله ـ وهي غيض من فيض ووشل من بحر بل كان ـ رحمه الله ت أخلاق على الأرض تمشي وكل الصيد في جوف الفرا علم وفضل ونبل وعراقه نسب وشرف وكرم فاللهم أرحمه وعافه واعف عنه آمين .

أبناؤه:

للشيخ ـ رحمه الله ـ ذرية طيبة مباركة هم سبعة عشرا ولدا منهم :

ابنه الكبر الأستاذ/محمد وهو رجل أعمال: وعمل مساعدا لمدير غرفة تجارة قطر سابقا

ومعالي الشيخ/ عبد الرحمن رئيس المحاكم الشرعية بقطر :حاليا برتبة وزير وهو يحمل درجة الماجستير من الأزهر.

ومعالي الشيخ /أحمد وزير الدولة للشؤون الخارجية: حاليا بعد أن تقلد عدة مناصب في السلك الدبلوماسي كسفير لقطر في عدة دول من بينها الولايات المتحدة الأمريكية.

ومعالي الأستاذ/ علي سفير قطر لدى المملكة العربية ومن السعودية :محبي الأدب وأهله والفكر وصحبه له مشاركات متميزة في ندوة معالي المربي الكبير عثمان بن ناصر الصالح ـ حفظه الله ـ ومعروف بتواضعه الجم وحسن خلقه وجميل خصاله ومناقبه وهذا الشبل من ذاك الأسد والشيء من معدنه لا يستغرب .

والعقيد/عبد العزيز يعمل سلاح الجو الأميري القطري .

والأستاذ/ حسن السكرتير الأول للسفارة القطرية في دمشق .

والأستاذ/عبد اللطيف رئيس قسم تسويق الغاز بمؤسسة البترول القطرية .

والرائد/ سعود في وزارة الداخلية القطرية .

والأستاذ/خالد رئيس القسم الطبي بسفارة قطر في لندن .

والنقيب/عبد المحسن يعمل في سلاح الجو الأميري القطري

والأستاذ/ فيصل مدير إدارة الأوقاف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر .

وغيرهم وكلهم ـ ولله الحمد والمنة ـ من خيرة رحالات الدولة القطرية ويعلمون في وظائفهم ولهم في أوساط الناس المكانة العليا والمنزلة العظمى والسيرة الحميدة والأخبار الحسنة والأخلاق العالية ولهم إسهامات مشكورة في التنمية الحديثة في دولة قطر سواء في المجال المدني أو العسكري بارك الله فيهم وأدام عزهم ورفع قدرهم في الدنيا والآخرة آمين .

جمع وإعداد: سعد بن زيد آل محمود

رجوع للخلف