مواقفه وجهوده الإصلاحية والخيرية

مواقفه وجهوده الإصلاحية والخيرية:

كان الشيخ من المدافعين المجاهدين في سبيل رفع راية الإسلام، ومحاربة البدع والمنكرات، وقد كان مكافحاً بلسانه وقلمه في سبيل الاحتفاظ بعقيدة الأمة طاهرة نقية عن الإنحرافات، وكان مجاهداً في سبيل ترسيخ العقيدة، ومحاربة البدع، ويرجع له الفضل في المحافظة على عقيدة أهل قطر وتنقيتها من الكثير من البدع والخرافات المخالفة للشرع، حتى أصبحت قطر من البلاد التي يمتاز أهلها بالتدين والعقيدة الصحيحة.
وكان لايتردد في نصح أولياء أمور المسلمين بما يراه مخالفاً للشرع أو ضاراً بمجموع الأمة، وكانت له كلمة مسموعة لدى حكام البلاد، ويستعينون به في حلِّ المشاكل والخلافات الصعبة.
وكان ورعاً ومتعففاً لا يخشى في الله لومة لائم، وقد أكسبه هذا الكثير من الاحترام والتقدير والمحبة الصادقة من الجميع، وكان شيوخ آل ثاني يجلُّونه، ويحبونه ويحترمون رأيه، وقد جعلته هذه المكانة مقصداً لطالبي الحاجات الذين يستعينون به لتوصيل طلباتهم إلى الأمير، وكان موقعه كقاضٍ للبلاد يجعله على معرفة بأحوال أهلها، فكان يطالب الحكومة إن رأى تقصيراً في تقديم الخدمات، أو رأى محتاجين من أهل البلاد.
وقد كان حريصاً على مشاركة أهل البلاد أفراحهم وأتراحهم، فكان يعود المرضى، ويزور الصديق والعاجز، ويحرص على صلاة الجنائز وتشييعها حتى المقبرة والتعزية فيهم مع إلقاء موعظة قصيرة على أهله.
وكان رحمه الله ورعاً خاصة فيما يتعلق بالمال العام، فقد طلب الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني حاكم البلاد في حينه من الشيخ إرسال أسماء أولاده حتى يجري لهم رواتب من الديوان، فرفض الشيخ أن يعطيه أسماءهم، وقال: "أولادي أنا أتكفل بهم".
وعندما عُيِّن رحمه الله قاضياً، أمر الملك عبدالعزيز بإجراء راتبٍ له، فعفَّ عنه رحمه الله، واكتفى بالراتب الذي أجرته له الحكومة القطرية.

نصيحته للحكام: 

وكان لايتردد في نصيحة حكام البلاد، وكتب في إحدى نصائحه لأحد حكام قطر السابقين: 
".. فإن من لوازم المحبة الدينية التقدم إليكم بالنصيحة الودية، فقد أخذ الله العهد علينا بأن نناصح من ولاّه الله أمرنا؛ لأن الدين النصيحة لله ولرسوله ولآئمة المسلمين وعامتهم، وعسى أن لا أقول شيئاً إلا وعلمك يسبقني إلى القول بصحته، والاعتراف بموجبه، غير أن قولي هو من باب تنبيه الغافلين: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (الذاريات: 55)، فلا تجد في نفسك من أجله؛ فإنك عزيز عندي، والحق أعز من كل أحد، وأعوذ بالله أن أموت وأنا عاشٌ لك، أو كاتمٌ نصيحتي عنك.
 
ما ناصَحَتْكَ خَبايا الُّدِ من أَحَدٍ                ما لم يَنَلْكَ بَمَكْرُوُهٍ من العَذْلِ
 
مَوَدًَّتِي لَكَ تأْبى أن تُســامِحَنِي         بأنْ أراكَ على شَـــيءٍ مِنَ الزَّلَلِ
 
 
وكان بعض السلف يقول: "لو أن لي دعوة مستجابة، لصرفتها إلى السلطان؛ لأن صلاحه يترتب عليه صلاح رعيته".
أيها الأمير ! إن العدل قوام الدنيا والدين، وصلاح المخلوقين، وهو الآلف المألوف، المؤمن من كل مخوف، به تآلفت القلوب، والتأمت الشعوب.
والعد مأخوذٌ من العدل والاستواء، وحقيقته وضع الأمور في مواضعها، وأخذ الأموال من حلِّها، ووضعها في محلها، فجديرٌ بمن ملّكه الله بلاده، وحكَّمه على عباده، أن يكون لنفسه مالكاً، ولطريق العدل والقصد سالكاً، وللهوى والشهوات الخارجة عن حدَّ الاعتدال تاركاً، فإذا فعل ذلك ألزم النفوس طاعته، والقلوب محبته، وأشرق بنور عدله زمانه، وكثر على عدوه أنصاره وأعوانه..".
وعندما منعت الحكومة السعودية زواج السعوديين من غير السعوديين إلا بموافقة خاصة، وأدَّى ذلك إلى صعوبات كثيرة خاصة في دول الخليج التي يرتبط مواطنوها بروابط مصاهرة مع المواطنين السعوديين، فكتب الشيخ إلى الملك فهد يطلب منه استثناء مواطني دول مجلس التعاون من القرار، واستجاب الملك فهد، وصدر الأمر السامي في 26/9/1404هـ، الذي أشارت ديباجته إلى إقتراح الشيخ.
وفي رسالة منه للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بنصحه فيها بإزالة قبر افتتن به الناس، وأخذوا يتبركون به ويزورونه في جميرة بدبي يقول: ".. والحاصل أن هذا القبر الذي افتتن الناس به، والذي أخذوا يزدحمون عليه ويترددون إليه، ليس من الأمر الهيِّن الذي يُتسامح فيه، أو يتساهل مع الناس في استدامة بقائه، بل هو أكبر من كل منكر؛ لأنه من الشرك الذي لا يُغفر، فواجب الحاكم إنقاذ الناس عن الغرق فيه، وتعلُّق القلوب به وانصرافها عن دعاء الله بسببه، وذلك يكون بنقله عن محله، وإخفاء مكانه، وعمل الحواجز الرادعة عن إتيانه، كما فعل الصحابة بنظيره وهم القدوة الصالحة، وإني واثق منك إن شاء الله بقبول هذه النصيحة ووضعها بالمكان الذي يحبه الله لك.." وقد استجاب الشيخ راشد لطلب الشيخ وأزال القبر.
وأمامنا الكثير من النماذج الرائعة للنصائح التي وجهها الشيخ رحمه الله إلى الحكام والعلماء والطلاب، وفئات مختلفة من الناس، وذلك من خلال رسائله ومؤلفاته ومراسلاته.

كرم الضيافة والإنفاق في سبيل الخير:

اشتهر فضيلته بالكرم الزائد، فقد كان كثير البذل في سبيل الخير، وله عوائد وصدقات مستمرة، وكان بيته ومكتبه مقصداً للفقراء والمساكين، فكان لا يردُّهم، ويمنع من يحجبهم عنه، وكان شديد الرحمة للضعفاء من أيتام وأرامل وفقراء وعابري السبيل، فكان يساعدهم، ويسهِّل لهم أمورهم مستخدماً جاهه وماله. 
يقول الشيخ عثمان الصالح: "وله في الكرم والوساطة والوجاهة ما يُذكر له بغاية الإعجاب والإكبار، أما الكرم فهو بحرٌ لا ساحل له، لا يأتي ضيفٌ إلى حاكم دولة قطر إلا وهو بعد الحاكم لليوم الثاني عنده مدعواً مكرماً، وكان لا يسلم عليه قادم إلا ويحظى بقدر من التكريم".
ويقول الشيخ زهير الشاويش: "وكان الرجل الكريم الباذل لملال بسماحة نفسٍ وسخاء يدٍ في جميع سبل الخير، وكان الشيخ ميسور الحال مع تعففه ونزاهته وترفعه، ومن الذين يحبون أن تظهر عليهم نعم ربهم، فتراه ينفق كما ينفق أغنى الناس، ومن أحسن من ينفق ويتكرم سراً، ولا يكاد يخلو بيته من ضيوفه، ولعل أكثرهم من خارج البلاد".
ويقول عبدالرحمن بن سعد الزير، المستشار الإسلامي بسفارة خادم الحرمين بماليزيا متحسراً على فقد الشيخ "فقدناه – رحمه الله – وليس والله كفقد غيره، فقد وهبه الله تعالى صفات ومميزات قلَّ أن اجتمعت في غيره، والله ما رأت عيني قط مثله، فقد كان من أوصل الناس لرحمه، وأبرهم بجاره ومعرفته، وأكرم الناس يداً وإحساناً، فضلاً عما حباه الله من حُسن البشر، ولين الكلام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام.
لقد منَّ الله عليَّ بلقاء فضيلته – رحمه الله – أكثر من مرة، حيث كنت أسعى إلى ذلك ما استطعت إليه سبيلاً، فقد كان من العلماء القلائل الذين يفتحون بيوتهم ليلاً ونهاراً لطالب علم أو مسترشد، وطالب حق أو طالب قرى وإكرام، فبالإضافة إلى تخصيص جناح في قصره الكبير في الدوحة – أبدله الله به جنات الفردوس –  فقد كان يغضب إذا علم أن أحداً زار قطر من بلاد الحرمين ممن يعرفه ومن لايعرفه ولم يبدأ بزيارته،إذ سؤاله الأول: متى وصلت؟ ويا سعادته إذا قال الآن، عندها يتهلل وجهه، وتنطلق أساريره، بخلاف ما إذا أجبت: البارحة أو بالأمس، فسبحان من أجرى الخير على يديه، ووفقه لطاعة مولاه".
وكان لايعلم باباً من أبواب الخير إلا ضرب فيه بنصيب، رحمه الله وغفر له، يقول أكرم خان من بشاور في باكستان: "زرت الشيخ فسألني عن بلدي، ثم شجعني على افتتاح مدرسة دينية فيها، فقلت له: إني رجلٌ عاميٌّ ولست عالماً، فقال لي: من يتقِ الله يجعل له مخرجاً، وقال: وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وأعطاني مساعدة مالية كبيرة، فتحت بها مدرسة لتعليم الصغار القرآن وعلوم الدين واللغة العربية، ثم أعطاني شهادة لجمع التبرعات لا أزال أحتفظ بها، وقد كبرت المدرسة وزاد خريجوها على الآلاف، وذلك بفضل الله وبركة الشيخ".
وكان الشيخ قد يلجأ للأقتراض لتغطية التزاماته الكثيرة، وقد جاءه أحد المحتاجين ممن لحقهم دينٌ كبيرٌ، فلم يقصر عنه، وأعطاه ما سرَّه فبكى، فقال له الشيخ: لاتبكي، فإن الذي علينا أكثر من الذي عليك (يقصد من الدَّيْنِ) فقال الرجل: ياشيخ! أبكي لأني ما أدري كيف أجازيك، فقال الشيخ: يكفي أن تقول: جزاك الله خيراً.

مجلس الشيخ:

تمَّيز الشيخ بميزة الكرم، وحب مساعدة الناس، وعندما تسلَّم أمانة القضاء فتح مجلسه لكل من يقصده من كبار القوم وصغارهم، كما صدف تسلُّمه القضاء بداية الحرب العالمية الثانية، وانقطاع البضائع ومواد التموين، وارتفاع الأسعار، مما أوصل المنطقة إلى مجاعة وفقر لم تعهدها.
لذا فقد كان مجلس الشيخ من مجالس قطر المفتوحة، والتي عُرف أهلها بحب الخير، ولم يكن مجلسه يخلو من ضيوف يسكنون في بيته، حيث خصص فيه غرفاً مجهزة لهم، ولا يخلو مجلسه من ولائم للضيوف والزوار، وكان الضيوف الذين يقدمون من خارج البلاد من حاضرة وبادية يجدون عنده المسكن والمأكل، إضافة إلى مساعدته لهم مادياً، أو يشفع لهم عند الحاكم أو كبار الأسرة الحاكمة، وكان من يصل إلى قطر من هؤلاء الضيوف – وخاصة من مناطقة نجد المختلفة – يسأل عن مجلس الشيخ، الذي كان جزء منه مضافةً للضيوف وعابري السبيل، يقيمون فيه حتى تنتهي حاجتهم، ويغادرون داعين للشيخ بطول العمر.
ولم يكن الشيخ يتأفف من ضغط هذه الواجبات وتكاليفها المالية، بل تجده سعيداً بضيوفه، يأكل معهم ويجالسهم، ويحاول إنجاز ما جاؤوا من أجله.
كان المجلس مفتوحاً طوال اليوم، يقدم فيه القهوة والشاي والطيب، إضافة إلى الوجبات الثلاث بشكل يومي.
وكان مجلس الشيخ مقصداً لأهل قطر جميعاً في مناسبات الأعياد ودخول رمضان، حيث يقصدونه بعد أمير البلاد، ويجلس الشيخ ثلاثة أيام من بعد شروق الشمس وبعد صلاة العصر وبعد المغرب بنصف ساعة حتى صلاة العشاء، وبعد انتهاء إجازة العيد كان يعود لبرنامجه اليومي، حيث يجلس عصراً وبعد المغرب، أما الصباح فهو في عمله بالمحكمة.
وفي كل جمعة كان الشيخ يولم وليمةً يحضرها من يتصادف وجوده من ضيوف وزوار، ويحضرها جميع الأبناء والأقارب، وذلك بخلاف الولائم التي يولمها لزواره وضيوفه خلال أيام الأسبوع الأخرى.
ويعتبر مجلس الشيخ من أقدم المجالس التي بقيت مفتوحة في مدينة الدوحة منذ عام 1359هـ - 1940م وبشكل مستمر، حتى أصبح من المعالم التي يعرفها الناس فيها، وقد زاره جميع حكام قطر من الشيخ عبدالله بن قاسم ومن بعده، وحتى الشيخ حمد بن خليفه آل ثاني حفظه الله، كما زاره الملك سعود بن عبدالعزيز، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، والأمير سلطان بن عبدالعزيز والأمير نايف بن عبد العزيز، والأمير سلمان بن عبد العزيز، والأمير سعود بن جلوي، والأمير عبدالله الفيصل وغيرهم.
ومنذ وفاة الشيخ استمر أولاده من بعده على النظام نفسه، حيث يجلسون عصراً وبعد المغرب، ويكون المجلس مفتوحاً في مناسبات الأعياد صباحاً لثلاثة أيام، إضافة لمحافظتهم على غداء الجمعة بشكل أسبوعي، كما أنهم يحصرصون على استقبال الضيوف، ولهم مضافة في المجلس، ويولمون لمن شرَّفهم بزيارته.

أسلوبه في تربية أبنائه:

كان الشيخ رحمه الله حريصاً على تربية أبنائه التربية الصحيحة، مهتماً بحفظهم من الكسل والانحراف، ومع قسوته أحياناً فإنه كان يحفز فيهم روح المثابرة والاجتهاد.  
لقد كان شديد الحرص أولاً على صلاتهم وعبادتهم، ثم على تعليمهم ودراستهم، ثم على حمايتهم من أصدقاء السوء.
فقد كان رحمه الله يتفقدهم في كل صلاة ويعاقب المتخلف منهم، ويحرص على حضورهم جميع الفروض، بما في ذلك فرض الفجر.
وحيث إنهم من أمهات مختلفات، فقد جمعهم في مكان واحد في البيت الكبير؛ حتى يتمكن من إيقاظهم، وينتظرهم ثم يصحبهم معه للصلاة، وقد غرس فيهم عادة الصلاة منذ صغرهم، فشبُّوا على حبهَّا والحرص عليها.
كما كان حريصاً على متابعة دراستهم في المدارس، ويشجعهم على أن يكونوا مبرِّزين بين نظرائهم، فإذا رسب أحد أبنائه في إحدى المواد شجَّعه على تعويض ذلك وهو يقول: لكلِّ جوادٍ كبوةٌ.
كما كان يفرغ من وقته بعد صلاة العشاء لتدريسهم "متن الآجرومية" و "قطر الندى" في النحو، كما كان يراجع حفظهم للقرآن و "الأربعين النووية" بين المغرب والعشاء، إضافة لقراءة أحد أبنائه لبضع صفحات من كتابٍ يختاره الشيخ في التفسير أو الحديث أو الفقه أو السيرة أو التاريخ، وتكون درساً أسبوعياً يستفيد منه كل من يجلس معه.
وكان يشجع أبناءه على تعلم العلم الشرعي، فإذا اختار ابنه تخصصاً آخر لم يمنعه، وكان يحثُّ أبناءه على التفوق وعدم إضاعة الوقت فيما لايفيد، ويردَّد: 
قد هيّؤوكَ لأمرٍ لو فطنتَ لهُ *** فاربأ بنفسكَ أن ترعى مع الهملِ
وكان رحمه اله حريصاً على عدم اختلاط أبنائه بأصدقاء السوء، ويتفقد رفقتهم، ويسأل عن سلوكهم، ويمنعهم من مرافقة من يشكُّ في سلوكه، كما كان يبتعد في سكنه عن المناطق التي يكثر فيها خليط الناس ممن لا يكونون من أهل الصلاح، فإذا كثر الغرباء في منطقته وزاد عددهم انتقل إلى منطقة أوسع وأبعد عن تأثير الغرباء، ووزع فيها أراضي على أبنائه وأقاربه وأنسبائه بحيث يكون الحي متجانساً، وتكون بيئته مناسبةً لحفظ أخلاق الأبناء.
وكان يحرص على جلوس أبنائه معه في المجلس يومياً، وكان مجلسه رحمه الله لايخلو من ضيوفٍ وزوَّارٍ من مختلف الفئات، وكان فرصةً ليتعلم الصغار أخلاق وطباع الكبار، وعلى الأبناء الاستماع لما يقول الكبار، والجلوس بأدب، كما أن عليهم الترحيب بالضيوف، وتحيتهم مع توديعهم إذا خرجوا.
كما كان الشيخ يأخذ أبناءه الكبار معه في زياراته المختلفة، وكان يسافر بهم معه منذ أن يبلغوا سن التاسعة؛ وذلك حتى يتعلموا وتصقلهم التجربة بالرغم من كون السفر قديماً شاقاً مع عدم وجود طرق معبدة، وتستغرق الرحلة يوماً كاملاً أو يومين للتنقل بين مدينة وأخرى.
وكان رحمه الله يكثر الدعاء لأبنائه، وقد استجاب الله لدعائه، فكان أولاده بارِّين به، واكتسبوا سمعةً حسنةً بين الناس. يقول صديقه جاسم بن درويش مداعباً: "لقد أعطى الله الشيخ ابن محمود دعوة مستجابة فوضعها في أولاده".

صلة الرحم:

امتاز الشيخ بأخلاق عالية، ومنها صلة الرحم، فقد كان في خُطَبه دائماً يؤكد على احتفاء الشرع بصلة الرحم، ويردد الأحاديث الكثيرة التي وردت في السنة تحض على ذلك.
وقد طبق رحمه الله ذلك على نفسه، فقد كان وصولاً لرحمه، وكان يتفقد أقاربه القريبين والبعيدين، فإذا وجد أحدهم محتاجاً منحه ما يسد حاجته، وإذا سمع عن أرملةٍ أو يتيم واصلهم بالنفقة حتى يستغنوا، وإذا احتاجوا للسكن ساعدهم لشراء مسكن يؤويهم، ولا يعتبر ذلك فضلاً ومنَّةً.
ولم يُرف عنه أنه تحدَّث حول عطاياه أو أظهرها، بل إن واحداً ممن أكرمهم وتحدَّث بذلك في مجلس الشيخ جاء إلى أبناء الشيخ في اليوم التالي، وهو يتحدَّث بانفعال ويبكي ويقول: لقد رأيت الشيخ البارحة في المنام وقد غضب مني ونهرني؛ لأنني تحدثت عما أعطاني، وقال لي : هل تعتقد أنني أعطيك حتى تتكلم به أمام الناس؟ إنني لم أفعله إلا لله، ولا أريدك أن تتحدث به.

أعماله ومآثره: 

منذ أن تولى فضيلته القضاء في عهد الشيخ عبدالله بن قاسم الثاني وهو يجدُّ ويجتهد في سبيل أداء المهمة الكبيرة المنوطة به، وقد كانت أجهزة الدولة في ذلك الحين ضعيفةً، ولم تكن هناك بلديات أو دوائر للخدمات، مما زاد العبء على جهاز المحاكم، ومع ذلك فقد نهض الشيخ بمسؤولياته خير قيام، فكان قاضياً ومفتياً، وكان يلقي الدروس، ويتولى مهمة الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يشرف على المساجد والأوقاف وما يتعلق بها من موظفين وخدمات، وكان يلقي خطبة الجمعة والأعياد، ويشرف على أموال اليتامى والقاصرين، ويتولى تنميتها، ويقسم التركات، ويزور القرى البعيدة لتفقُّد أحوالها، ويكتب للحاكم أو الأجهزة المختصة للمطالبة بخدمةٍ أو إنصاف مستحق أو مساعدة محتاج، ويستقبل الوفود والضيوف، ويساعد المحتاجين من داخل البلاد وخارجها.
وقد سماه الناس "أبو المساكين"، و "أبو اليتامى" لما يرون من أيادٍ بيضاء في مساعدتهم.
يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "أشهد أن هذا الرجل كان صواماً قواماً كثير التلاوة لكتاب الله (عز وجل)، مشغولاً بالعلم، دراسةً وتعليماً وتأليفاً وقضاءً، وكنت كلما زرته في مجلسه وجدته مشغولاً بقراءة كتاب مهم من كتب التفسير أو الحديث أو الفقه، وهكذا كان يقضي وقته بين العلم والعبادة والإفتاء والقضاء وشؤون المساجد واموال القصَّر، والأوقاف وحاجات الناس، ولم يكن عنده مجال للَّو ولا الهزل، كان عنده من الحق والجدِّ ما يصرفه عن كل هزل وباطل".
 
رجوع للخلف