منهج الشيخ كما كتبه

طريقته في القضاء: 

كان فضيلته يبكر في الجلوس للقضاء قبل طلوع الشمس طوال العام، ما عدا أيام الجُمع، وكان مع هذا قليل السفر خارج البلاد، ويبدأ جلسته ببحث وكتابة القضايا المعروضة أمامه في اليوم السابق، وبعد إنجازها يستدني الخصوم الذين تعصُّ بهم قاعة المحكمة في كثير من الأحيان، فيبدأ بحل قضاياهم، ويجتهد في الإصلاح بينهم ما وجد إلى ذلك سبيلاً، ويساهم من ماله في الإصلاح إذا كان الخصم فقيراً.
وقد يتطاول عليه بعض الخصوم برفع الصوت أو التجريح، فيتحمل منهم كل ذلك في صبر، وقد رفض عدة مرات وضع شرطة لتنظيم الدخول عليه؛ خوفاً من أن يردُّوا صاحب حاجة أو يمنعوا سائلاً.
وأكثر القضايا يحلُّها في جلسة واحدةٍ أو جلستين، ويحرص في القضايا المتعلقة بالعقار أن يخرج بنفسه لمعاينة مكان الخلاف، ويتأنى كثيراً قبل إصدار حكمه حتى يتضح الحق والصواب فيقضي به.

منهج الشيخ كما كتبه:

وقد ذكر رحمه الله في إحدى رسائله منهجه في القضاء، ونصح إخوانه القضاة فقال: "شرع القضاء رحمةً للناس وراحةٌ لهم؛ لإزالة الشقاق بينهم، وقطع النزاع عنهم، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وردع الظالم، ونصر المظلوم.
لو أَنْصَفَ الناسُ اسْتَراحَ القاضي وبات كُلٌّ عن أخيه راضي
فمن واجب القاضي أن يحتسب راحة الناس ورحمتهم في قطع النِّزاع عنهم، وأن يحتسب التبكير في الجلوس للناس، ويفتح باب المحكمة على مصراعيه، ثم يبدأ بالأول فالأول، كما نص على ذلك فقهاء الإسلام في كتبهم، ففي الحديث: "مَنْ تَوَلَّى شيئاً مِن أمر المسلمين فاحْتَجَبَ دون حاجتهم وفقرهِمْ، احْتَجَبَ الله دون حاجته وفقره" (رواه أحمد والترمذي).
ولما بلغ عمر أن سعد بن أبي وقاص قد اتخذ له باباً، وحُجَّاباً يمنعون دخول الناس عليه، أرسل محمد بن مسلمة، وأمره أن يحرِّق باب سعد قبل أن يكلم أحداً من الناس.
فهؤلاء القضاة الذين يغلقون أبواب المحاكم عليهم، ويتركون الناس خلف الأبواب يغشاهم الذل والصغار، والقاضي غير مكترثٍ بهم، ولا مهتم بأمرهم، ويمضي أكثر وقته في الحديث في مصالح نفسه الخاصة، وشهر للحج، وشهر للعمرة، وشهر للمصيف في الطائف أو لبنان مثلاً، ويترك الناس يموج بعضهم في بعض بالنزاع والخصام، لا يجدون من يقطع النزاع عنهم، وهو مستأجَرُ لحل مشاكلهم .. فهؤلاء بالحقيقة مخالفون لنصوص مذهبهم؛ فإن الفقه الإسلامي يمنع غلق الأبواب، ونصب الحُجَّاب دون القاضي ودون الناس.
فافتحوا الأبواب، وسهَّلوا الحجاب، وبكَّروا في الجلوس؛ حتى يسهل عليكم معالجة الخصام، وتنظيم الأحكام؛ فإن جلوس القاضي في محلِّ عمله لفصل القضاء بين الناس، أفضل من تطوعه بحجه وعمرته، وأفضل من صيامه بمكة؛ لأن جلوسه في محل القضاء واجب عليه، ومطلوب منه شرعاً وعرفاً، أما التطوع بالحج والعمرة فإنها ليست بواجبة عليه، ولا مستحبة في حقه، وقد لا تصح منه.
فلا ينبغي أن يهمل هذا الواجب المحتَّم عليه في محاولة التنفُّل الذي هو ممنوع منه شرعاً وعرفاً". أ هـ (ص60 من المجلد السابع من مجموع رسائل الشيخ).

تميز الشيخ في القضاء:

وكان الشيخ ذو فكرٍ ثاقب وحكمةٍ ودرايةٍ بأحوال الناس، وقد وضع عدداً من الأسس والآراء الفقيهة التي تيسر على الناس، والتي تخالف ما كان عليه عمل المحاكم في المنطقة، وذلك نتيجة لخبرته القضائية الواسعة، وتمكنه من الفقه، فقد كان أول من طبق في دول الخليج اعتبار الطلاق الثلاث طلقة واحدةً، واعتبار يمين الطلاق يميناً وليس طلاقاً، وخالف رأي الجمهور حول الطلاق البدعي، حيث لم يضع له اعتباراً، والمساواة في الدية بين المسلم وغير المسلم المستأمن وله الكثير من الآراء التي تسير عليها محاكم قطر، والتي حلّت الكثير من المشاكل. 
وجلوسه ليس للقضاء فحسب، فقد يأتيه من يستفتي في مسألة أو حكم شرعي، كما يلجأ إليه أصحاب الحاجات الذين يطلبون معونته في الأمور المختلفة، فلا يبخل عليهم بالمساعدة التي يريدون.
وكان يهتم بعدم تأخير صاحب الحاجة، ويكرم الشاهد ولا يعطله، ويجهد نفسه لمحاولة الوصول إلى الحق، فإذا احتاج الأمر إلى وقوفه على محل النزاع فقد كان يواعد الخصوم، ويذهب إليهم عصراً بنفسه.
ومجلس الخصوم لديه واحد، فإذا جاءه أحد كبار القوم أمره بالجلوس مع خصمه على كرسي الخصومة أمامه.
وقد كانت له هيبةُ لدى كبار القوم وصغارهم، وكان له فضل إعطاء الشرع احترامه، وإلزام الناس بحدوده وحقوقه، وكان له فضل حماية حقوق الضعفاء من تسلط الأقوياء، خاصة في وقت لم تكن فيه أجهزة الدولة قد تكاملت بعد..
وحكام البلاد يحترمون أحكام الشرع، وإذا كان لأحد منهم قضية حول حقوق عقارية أو مالية، ولم يتمكنوا من حلها عن طريق وكلائهم، فكانوا يحيلونها إلى الشيخ، ويلتزمون بما يحكم به.
ومما نُقل عنه أنه ذهب لنظر قضيةٍ في الشمال بين أحد الشيوخ وأحد المواطنين،وكان من عادته أن يقف بنفسه على موضع النزاع قبل البت في الدعوى، فلما علم الذي رُفعت الدعوى في مواجهته أن الشيخ سيأتيه أعدَّ له العشاء كالعادة، حيث إن المنطقة بعيدة  عن الدوحة، فلما حضر الشيخ قال له: ياشيخ! ترى حضَّرنا لك العشاء، فقال: أنا لم آت للعشاء، وإنما لنظر دعواكم، وبعد أن انتهى من الدعوى ركب سيارته وعاد بدون أن يتناول العشاء؛ فقد كانت تسويته بين الخصوم تقتضي أن لا يقبل دعوة أحدهما دون الآخر.
وكان – يرحمه الله – يرفض قبول الهدايا؛ لكون القاضي يجب أن يبعد نفسه عن أي شبهة.
وطلب منه أحد حكام قطر السابقين توثيق عطاء منه لأحد أبنائه، فسأله: هل أعطيت باقي أبنائك مثله؟ فقال: لا، فرفض الشيخ توثيق هذا العطاء، وقال: أشهدْ عليه غيري. 
ويقول الأستاذ محمود الرفاعي – مدير أوقاف الزرقاء بالأردن، والذي عمل في قطر: "إنه  –  مدَّ الله في عمره رغم كبر سنِّه فهو دؤوبُ، لا يملُّ ولا يكلُّ، يجلس للقضاء مبكراً، وربما يسبق جميع الموظفين، ثم ينتقل ما بين حلِّ لمشاكل المراجعين العضال، وبين القضايا الأخرى، إلى مدِّ يد العون والمساعدة للمعوزين، وجبر خاطر المكروبين، وبين القلم والقرطاس، يكتب بيده، ويملي على غيره، أضف إلى ذلك قوة الحافظة متَّعه الله بحواسه، ومدَّه بالعافية من عنده، فقد ترانا نبحث عن حديثٍ في بطون الكتب، فيكفينا المؤونة، وبهمةٍ شابةٍ تتحرك جوارحه،وما هي إلا دقائق حتى تكون البغية حاضرة. 
والأهم مما مضى هو وقوفه على الحق، فإذا أيقن بالدليل والحديث، فإنه يضرب صفحاً عما كان يرد من كلامه، ويثبت ما صحٍّ لنا من الرواية".

العدل مع الجميع:

كان الشيخ يتحرى العدل في قضائه بدون النظر لديانةٍ أو مذهبٍ أو عرقٍ، فقد كسب احترام الجميع لنزاهته وعدالته.
يقول جون قصاب – وهو أرمنيِّ سوريٌّ يعمل في قطر: كنت شاباً غيراً أعمل بالنجارة، واتصل بي أحد الأرمن، وأبلغني أن أرمنياً إيرانياً قُبض عليه في قطر وأُدخل السجن، فذهبت لمركز شرطة الدوحة أسأل، فأبلغوني أن الرجل دخل البلاد بتأشيرة مزورة، فتحدثت معه، فقال لي إنه حصل على التأشيرة من إحدى شركات السياحة، ولا يعلم أنها مزورة، فحاولت مقابلة مدير المركز فمُنعت من ذلك، وقيل لي إن الموضوع يحتاج لإكمال التحقيق ثم يحال للمحاكمة.
وكانت زوجة الرجل وابنه الصغير في الفندق، وسألت عن حلًّ لهذه المشكلة، فقال لي أحد القطريين: اذهب إلى الشيخ ابن محمود، فقد يجد لك حلاً.
فذهبت إلى المحكمة الشرعية وأنا وجِلٌ، ولا أعرف كيف سأتمكن من مقابلة الشيخ، فلما دخلت دلُّوني على قاعة كبيرة، ورأيت فيها الشيخ جالساً ومعه بعض الكَتَبة،وهو ينظر في القضايا، فانتظرت حتى جاء دوري، وأجلسوني على كرسيٍّ أمام الشيخ مباشرة، فشرحت للشيخ مشكلة الرجل، وأن الرجل جاء إلى قطر في طريقه إلى بلد آخر، ولم يكن يعلم بتزوير تأشيرته، وقلت له: أنا مسيحي، ولجأت إليك لأني لم أجد حلاً آخر، فقال لي: إذا كان كلامك صحيحاً فأنا سأنظر في الموضوع.
وطلب – وأنا جالسٌ – مدير مركز الشرطة، واستفسر منه عن القضية، وقال له في نهايتها: إن الرجل في طريقه إلى بلدٍ آخر، فأنتم أبعدوه من البلد، واعتبروا تأشيرته كأن لم تكن، ولا تزعجوا أنفسكم بتحقيقٍ ومحاكمةٍ، فوافق المدير، ولكن ليس من صلاحيته إلغاء القضية.
يقول جو: فكتب لي الشيخ كتاباً، أخذته وأنا فرح لمدير المركز، الذي قابلني فوراً، وأنهى الإجراءات بعد استلام كتاب الشيخ، وسمح للرجل بمواصلة سفره مع عائلته في اليوم نفسه.
ويذكر الشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني قصةً عن مقاول لبناني مسيحي، حدثت له مشكلة مع واحد من الشيوخ بسبب رفضه الدفعات الأخيرة من حقوق المقاول، فرفع الرجل دعواه للشرع أمام الشيخ ابن محمود، الذي أمر بإعطائه إحضارية لخصمه، فحضر الطرفان أمام الشيخ، فأجلسهما أمامه.
وبعد الاستماع إلى الطرفين قال للمدعى عليه: هل تعترف بهذا المبلغ الذي يدعي به المقاول؟ فقال نعم، ولكنه ربح مني الكثير، وهذا خصمته مقابل ماربحه مني، فقا الشيخ: لقد اتفق معك على مبلغٍ معينٍ، فإذا كان الربح من ضمنه فهو حقه، وليس لك أن تسلبه منه، فطلب يمين المقاول أن المتبقي حقه، فقال الشيخ: هو قدّم أوراقه وبيِّنته، واليمين تتوجه إليك بأنك سلمته جميع حقه، عندها استعد الرجل لسداد بقية المبلغ، وأحضره في اليوم نفسه للمحكمة، واستلمه الرجل.
وقد تأثر هذا المقاول لهذا الموقف، وقال: أنا مسيحي أجنبي، وينصفني القضاء الشرعي من مواطن صاحب نفوذ، بل أحصل على حقي خلال ثلاثة أيام، أين يوجد هذا؟ ويقول الشيخ فيصل راوي القصة: إن هذا الرجل كان يصوم في رمضان مع المسلمين، ويفطر معهم وهو على دينه.

هيبته واحترام الناس له:

استطاع رحمه الله أن يكسب حبَّ الناس، عندما رأوا قوته في الحق، وجهوده لنفع البلاد وأهلها.
يقول الشيخ قاسم بن علي بن قاسم آل ثاني: "عندما جاءنا الشيخ ابن محمود – وكان شاباً – لم نتوقع منه الكثير، ولكن بعد مدةٍ من قيامه بعمله وجدنا أنه أفضل من تولى القضاء عندنا".
وكسب الشيخ احترام الجميع من حاكمين ومحكومين، يقول الشيخ زهير الشاويش – وكان ممن عملوا في ديوان حاكم قطر الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني رحمه الله: "كان الشيخ علي في غير الجلسات الرسمية في العصر أو مساءً يجلس بدون البشت، ويأتيه كبار الأسرة الحاكمة ووجهاء البلاد، فيتبسط معهم بالحديث، فإذا أبلغه الخدَّام أن الشيخ ابن محمود وصل، طلب البشت، ولا يستقبله إلا وهو لابسه".

الشجاعة الأدبية والصدع بالحق:

كان قوياً في الحق لا يحابي، ذكر في ردِّه على رسالة أحد الوجهاء ممن كانت له علاقة قوية معه، بعد أن حكم ضده في قضية لصالح امرأة ضعيفة وبناتها الأيتام: "... وإني أشعرك بأمرٍ يعود عليك بالراحة، وهو أنَّ مدحك لا يحملني على الحيف لك، كما أن ذمّك لا يستدعين إلى ظلمك، ولو كان الأمر بالتخيير، وأن الحكم لا يعقبه حساب خبيرٍ ولا عقاب قديرٍ، لاخترت أن يكون عندك دونهم، ولن يرهقني طغياناً عليك ما نسبتني إليه من اللوم والذم، وما نسبتني إليه من الجور والظلم في خصوص هذا الحكم؛ لأنه ما من أحد سلم من أذى الناس، حتى كتاب الله الموصوف بالصدق والعدل لم يسلم من الطعن...".
وجاء عامل هنديٌّ إلى الشيخ يشكو كفيله وهو أحد الوجهاء، ويقول: إن كفيلي لم يعطني راتبي من عدة شهور، وعندما طالبته ضربني بالعصا، وأثرُ ضربه واضحٌ في ظهري، وكشف ظهره فإذا أثر الضرب واضحٌ، فغضب الشيخ وأرسل من يطلب هذا الكفيل للحضور.
وعندما حضر أجلسه مع العامل الهندي في مجلس الخصوم، وسأله عن أثر الضرب في ظهره فلم يستطع الإنكار، فأسمعه الشيخ كلاماً شديداً، حتى استعدَّ هذا لتنفيذ ما يحكم به الشيخ، فحكم عليه بدفع مبلغ كتعويض عن الضرب، وجميع رواتبه غير المدفوعة، وسأل العامل إن كان يرضى بذلك، فقبل وشكر.
واشتكى أحد المواطنين أن وكيل احد حكام قطر السابقين يبني للحاكم عمارةً، وقام بفتح مكيفات مطلة على عقار المشتكي، فطلب الشيخ الوكيل وسمع حجته، ووقف على الموقع، ثم أصدر حكمه بسد الفتحات لكونها تؤذي الجار، واضطر الوكيل لتنفيذ الأمر بعد أن راجع الحاكم فقال له: نفذْ أمر الشيخ.

شهادة البريطانيين:

يقول الكاتب الأمريكي (ناثان براون) في كتابه "القضاء في مصر والخليج، القانون لخدمة من؟" الذي استقى معلوماته من الأرشيف البريطاني: "نجح البريطانيون في إقرار ضرورة أن يوجد نظام قانوني وقضائي في الخليج لا يحد أساسه في الشريعة فقط، ولكنهم فشلوا في أكثر الأماكن في تشكيل ذلك النظام إلى حد كبيرٍ، خاصة في قطر، التي أثبتت فيها المحاكم الشرعية أنها أكثر قوة، وأثرت هذه المحاكم بعمق، واستمرت في التأثير على مسار التطور القانوني والقضائي..".
ويضيف الكاتب أيضاً "إن قطر أثبتت أنها تقاوم بشدة أي جنوح رسمي عن الفقه الإسلامي، وأثبت ذلك الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رئيس القضاء الشرعي، الذي رأى فيه البريطانيون رجلاً متزمتاً، وعقبة في طريق الإصلاح القانوني الحقيقي، وإليه يرجع الفضل في تحويل المحاكم الشرعية من نظام غير رسمي إلى هيكلٍ منتظمٍ، وذلك عقب تعيينه في سنة 1938م".

برنامجه اليومي وحسن ضبط الأوقات:

كان يبدأ يومه بصلاة الفجر، ويوقظ أبناءه للصلاة، ويصحبهم معه، وبعد الصلاة يقرأ من القرآن ورداً يومياً، ويفطر، ثم يذهب قبل طلوع الشمس بقليل إلى مكتبه في المحكمة، وإذا كان صباح جمعه فإنه يراجع خطبة الجمعة لذلك اليوم.
وقد اشتهر – رحمه الله – باحترامه لوقت الدوام، فكان أول من يداوم في مكتبه قبل طلوع الشمس، وكان ينتقد القضاة الذين يبدؤون دوامهم بعد ارتفاع الشمس، ويبدأ بدراسة القضايا وتحرير الأحكام والردِّ على المراسلات، وكانت عادته الإملاء على أحد الكتبة من الذاكرة، بعد أن يكون قد درس الموضوع.
وكان كبار القوم والشيوخ يزورون الشيخ في أول ساعات الصباح للسلام عليه، وتناول شيءٍ من القهوة، والحديث في شؤون البلاد، ثم يبدأ المتخاصمون في التوافد وعرض قضاياهم، فيستمر لعدة ساعات في نظر القضايا، والفصل فيها، والردِّ على المستفتين، والرد على المتصلين بالهاتف، وإنجاز الأوراق والمعاملات الرسمية الخاصة بأعمال الرئاسة، إضافةً لمقابلة ذوي الحاجات، والصدقة على المحتاجين منهم.
وعندما يؤذن الظهر كان يذهب مع جلسائه للصلاة في المسجد المجاور للمحكمة، ثم يذهب إلى مجلسه حيث يتغدى مع ضيوفه وعياله، ويأوي إلى بيته حتى صلاة العصر، ثم يجلس في مجلسه، فيأتيه كبار القوم ومحبوه والكثير من أهل البلاد، وقد يأتي من يستفتيه في مسألة فيناقشها أمام جلسائه، كما يقابل الوفود التي تأتي من خارج البلاد، ويأتيه بعض طلبة العلم والجيران والأقارب.
وإذا كانت هناك قضية تحتاج إلى الوقوف عليها فإنه يخرج بعد إنتهاء مجلسه مع بعض مرافقيه للوقوف عليها، إضافةً إلى القيام ببعض الواجبات الاجتماعية؛ كعيادة المريض، وتعزية أهل المتوفى، وزيارة كبار السن والعجزة، وغير ذلك.
ثم يذهب الشيخ إلى المسجد المجاور قبل صلاة المغرب بنصف ساعة للتعبد والدعاء، ثم يدخل بيته بعد المغرب ويصلي النافلة ويرتاح قليلاً، ثم يخرج لمجلسه، حيث يحرص على الاستماع إلى قراءةٍ من أحد المراجع العلمية، ككتب التفاسير والسنة والفقه والتاريخ، ويقوم الشيخ بشرح لبعض الفقرات لإفادة جلسائه، كما يردُّ على من يستفسر منهم حول ما يقرأ، ثم يدعو جلساءه للعشاء، وإذا كان لديه ضيوف فإنه يذبح لهم ويكرمهم كعادته، ثم يصلي مع جلسائه، ويأوي إلى بيته بعد الصلاة.

برنامجه في الشهر الفضيل:

وفي رمضان كان يلقي بعد صلاة العصر درساً في مسجد ابن عبدالوهاب في الجسرة، يحضره كبار أهل البلاد وجمهورُ كبير من المصلين،  وكان درسه يتناول في كل يوم موضوعاً في الفقه أو الحديث أو التفسير لإفادة مستمعيه، ثم بعد ذلك يقوم بتدريس أولاده القرآن حتى ما قبل صلاة المغرب، حيث يذهب إلى منزله، ويفطر مع جلسائه، ويشاركه في تناوله عددُ من الضيوف والفقراء والمحتاجين الذين يقصدونه، وكان – رحمه الله – كثير الصدقة في هذا الشهر الكريم.
وكان يؤم الناس لصلاة التراويح، حيث يصلي بهم إحدى عشرة ركعة مع الوتر، ويقرأ جزءاً كاملاً من القرآن، ثم يجلس بعد التراويح في مجلسه، حيث يقصده المهنئون بدخول الشهر المبارك، كما يقصده زواره الكثيرون في مثل هذا الوقت خلال رمضان.
وفي العشر الأواخر كان يؤم الناس لصلاة القيام، حيث يقرأ ثلاثة أجزاء في اليوم في ثمان ركعات، مع ركوع وقيام وسجود طويل، وكان يجلس للراحة بعد الأربع ركعات الأولى، حيث تدور القهوة والطيب، ويلقي موعظةً في المصلين تشتمل على الفوائد العديدة، وعندما كبرت سنه اكتفى بجزء واحد.

خُطبه في الجمع والأعياد:

وتعتبر خطبة الجمعة – التي حرص فضيلته على إلقائها منذ توليه القضاء – درساً أسبوعياً، يتناول مواضيع إسلامية عامة من الأمور التي تهم الناس في حياتهم، وتحوي خلاصةً لآراء فضيلته واجتهاداته في المسائل الشرعية وبعد افتتاح إذاعة قطر أصبحت الخطبة مسموعةً في البلدان المجاورة،ويحرص كثير من الناس على الاستماع إليها وقت صلاة الجمعة وليلة السبت من كل أسبوع، وقد جمعها في كتاب "الحكم الجامعة لشتى العلوم النافعة".
وكان لفضيلته مواقف مشهودة على المنبر، حيث جهر فيه بكلمة الحق، وأمر بالمعروف، وحارب البدع والمنكرات، وكان المسؤولون والمواطنون يحسبون لها حساباً، وكانت خطبة وسيلة لتثقيف الناس وتعليمهم أمور دينهم.

الشيخ مرجعٌ للقضاة والمستفتين:

وكان رحمه الله لا يبخل على مستفت يطلب حلَّ مسألةٍ من المسائل الصعبة والشائكة، حتى إنه أصبح مرجعاً للكثير من القضاة في بلاد الخليج والسعودية وفارس والهند، فيرسل أحدهم ملخص القضية إلى الشيخ، فيرد عليه بحلها.
يقول الشيخ عبدالرحمن الفارس – قاضي المحكمة الكبرى في الرياض – شاكراً إجابة الشيخ له على استفتاء أرسله: ".... استلمت خطاب فضيلتكم المتضمن للفتوى، وأحطت علماً ومعرفةً بما كان يجول في فكري، فلقد أجدتم وأفدتم، ولازلتم موفقين لكل ملتمس بيان من العلم، زادكم الله علماً ونوراً وبصيرة، ووفقكم لقول الحق بدليله؛ فإنكم لاتألون جهداً في إيضاح كل مشكلة وتبيين كلِّ معضلة بدليلها...".
وقد اشتهر فضيلته بحل القضايا الصعبة والمسائل المعقدة، حتى أصبح الناس يقصدونه من البلدان المجاورة، أو يرسلون إليه باستفساراتهم فيرد عليهم بما يشفي غليلهم.
ويقول أكثر من واحد من أهل قطر إنهم عندما يتوجهون للشيخ ابن باز بطلب الإفتاء في إحدى المسائل، فإذا عرف أنهم من أهل قطر قال لهم: عندكم الشيخ ابن محمود، ارجعوا له. وذكر عبدالعزيز بن عزمان الذي كان يصلي في مسجد الشيخ إبن باز أمراً مماثلاً ، حيث كان الشيخ إبن باز يسأل المستفتي من أي بلد هو ، فإذا قال من قطر ، قال له : عندكم الشيخ إبن محمود وتجونّي  
رجوع للخلف