تميزه الفقهي وخصائصه العلمية

علاقة الشيخ بزملائه العلماء: 

كان الشيخ يحتفظ بعلاقات جيدة من كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وكان يعتبر الخلاف العلمي يجب أن لا يكون سبباً لخلاف شخصي أو قطيعة؛ لذا فقد بقي محافظاً على علاقته بزملائه المشايخ، حتى الذين اختلفوا معه، وكان يزورهم عندما يكون في الرياض أو الطائف، ويبادلونه الزيارة، كما أن بينه وبينهم مراسلات كثيرة، خاصة كبار آل الشيخ الذين يقدرهم ويقدرونه.
وعندما أصدر الشيخ محمد بن إبراهيم رسالةً ردّاً على رسالة الشيخ: "يسر الإسلام"، وأحضر أحد محبيه الرسالة إليه طالباً منه أن يتروَّى قبل أن يردَّ عليها، فقال له: "لو أن الذي ردَّ عليَّ غيره كنت عرفت أرد عليه، لكن الشيخ محمد بن إبراهيم أبي وأستاذي" ولم يرد على الرسالة احتراماً لشيخه.
وفي رده على المشتهري حول اللحوم المستوردة يقول عن زميله الشيخ عبدالله بن حميد: "... أما ما أشار إليه من ردِّ العلامة الشيخ ابن حميد عليَّ فأهلاً وسهلاً؛ فهو حبيبي في الأصل، وزميلي في الطلب، وأحمل له الود المكين وأُعامله بالإجلال والتكريم؛ فهو وإن ردّ عليَّ أو رددت عليه، فما هو إلا بمثابة حديث الفكاهة في الآداب تجري بين الأحباب، ويبقى الود ما بقي العتاب.
غير أنه لايخفى على العقلاء أنه ليس كل ردٌّ صواباً، فقد رأينا كثيراً من الناس يردون الحق بالباطل، وهم يسحبون أنهم يحسنون صنعاً، فلا فخر بمجرد الردِّ، وإنما الفخر بصواب النقد. بحيث يقال: قرطس فأصاب" .
وفي كتابه "الرد السديد في تحقيق الأمر المفيد" الذي ألفه رداً على الشيخ عبدالعزيز ابن رشيد رئيس هيئة التمييز السابق بالرياض قال: ".. وإنا لنرجو لفضيلة الشيخ عبدالعزيز في جهده ونقده جزل الأجر والثواب، سواء أخطأ في النقد أو أصاب؛ فما ردُّه علي أو الرد عليه إلاّ محض التلقيح للألباب، ويبقى الود ما بقي العتاب؛ إذ ما من أحد من الناس إلا وهو رادٌّ ومردود عليه، ولنا الأسوة بالصحابة حيث يردُّ بعضهم على بعض في مسائل الفروع، ولن يجد أحد في نفسه حرجاً أو افتخاراً بفلج في ردِّ أخيه عليه؛ لأن قصد الجميع الحق، فهو غايتهم المقصودة وضالتهم المنشودة، وإنا لنرجوا في إثارة هذه المباحث بأن لا نعدم من نتائج جميلة، وحكم جليلة يثيرها البحث والنقاش، والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب".
وقال عنه مبيناً أساس الاختلاف العلمي معه ".. فنحن نعده من الفقهاء الأجلاء، غير أنه من القوم الذين يرون التقيد بالمذهب في الصغيرة والكبيرة، وألا يخرج عنه قيد شعيرة؛ فلأجله ضاق ذرعه بمخالفتي لرأيه".

تميزه الفقهي وخصائصه العلمية: 

لقد تميز منهج الشيخ الفقهي بخصائص ومميزات قد لانجدها عند علماء آخرين، وهذه الخصائص والمميزات هي في حقيقة الأمر نابعة من ذلك الفهم العميق والنظرة الثاقبة غير المتزمتة لروح الشريعة الإسلامية الغراء، ومقاصد ديننا الإسلامي الحنيف التي أكرمه الله تعالى بها.
يقول رحمه الله: "وإنني عندما أطرق موضوعاً من مواضيع البحوث العلمية التي يحسن التذكير بها، وبمحاسنها ومساوئها، وحكمها وأحكامها، فإنني آخذ للبحث بغيتي، وغاية رغبتي، مما وصل إليه فهمي وعلمي، حتى ولو طال ذيل البحث، ولن أقتصر فيه على بُلْغَة العجلان، ورغبة العاجز الكسلان؛ إذ إن الناس يتفاوتون في قوة الإيراد والتعبير، وفي حسن المنطق وجمال التحبير، والعلم شجون يستدعي بعضه بعضاً، ويأخذ بعضه برقاب بعض، وعَدُّوا من عيوب الكلام وقوع النقص من القادر على التمام، ووقوع الانفصام والانفصال في مواقع الاتصال...".
ويقول عنه الشيخ صالح اللحيدان – المستشار بوزارة العدل بالرياض: "إن هذا النحرير أحد رموز العلم الشرعي بما يتناوله من مسائل شرعية بدليل وتعليل وتمكين، وقد ظهر على مصنفاته سعة العلم، وقوة البيان، وسرعة البديهة، وقد ظهرت أمارات قرع الحجة، بما يتناوله من نقدٍ لكثيرٍ من المسائل المطروحة التي رأى فيها رأيه، فكم ناقش وردَّ، ونقد بروح المدرك المطَّلع، ولا تجده إلا ذلك الرجل الرجَّاع للحق إذا بان له الخطأ .. ولعله أحد أبرز البقية الباقية من العلماء السلفيين أهل التوحيد الصحيح والدعوة إليه، كيف لا وهو ابن فطرة خيِّرة، وابن أرض معشبة مخضرة؟".
يقول الشيخ يوسف القرضاوي عن الشيخ ابن محمود: "كان عالماً حجةً، من الناس الذين أتقنوا العلم، وأصدر فتاواه ورسائله في كثير من قضايا العلم والفقه، فهذه الرسائل التي أصدرها تدل على فقه عميق، وعلى بصيرة بدين الله، وعلى جرأة في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم".
ويضيف عن الشيخ إنه: "فقيه مستقل الرأي، صاحب اجتهاد وصاحب ترجيحات، وليس مجرد عالم يحفظ ما في الكتب فقط، وقد قرأت رسائله ووجدت رأيه رأياً قوياً، وأيدته بكل قوة، فقد اعتمد على أدلة شرعية واعتبارات أصولية لايمكن أن يرفضها إلا مكابر".
ويقول الاستاذ الدكتور علي شحاته(1):
"والشيخ ابن محمود محدِّث لبق لايجارى، وخطيب مصقع لا يبارى، حاضر البديهة، صريح الرأي، قوي الحجة، قاطع الدليل، ساطع البرهان، عالي الهمة، عزيز النفس، وهو بحقًّ وحيد عصره، وفريد زمانه، يقول كلمته بوضوح، ويناقش الرأي بالمنطق، ويرد الحجة في هدوء، ويدفع بالتي هي أحسن.
فإذا لم تُجْدِ كل هذه الأساليب اشتدَّ واحتدَّ، ورفع صوته، فكان أشد رنيناً وأحدَّ طنيناً، فيقذف بكلمة الحق لا يهادن فيها ولا يلاين، لايبالي أين تقع، فلا يرهب قوةً ولا يخشى بطشاً، فيكون لآرائه دوي القنابل، وفرقعة الديناميت، ويواجه بعدها الأخطار في شمم وإباء كالطود الشامخ والجبل الراسخ.
وهو حركة دائبة، يعظ، ويحاضر، ويناظر، يواتيه الكلام ويطاوعه، إذا خطب وتدفق منه الكلام، يأخذ بأزمة القلوب والعقول، كأنك أما سحبان ابن وائل أو قس بن ساعدة، يوجز فلا يخلُّ، ويطنب فلا يملُّ، إذا لان كان كالماء أو أسلس، وإذا اشتد كان كالصخر الأملس.
وقال كذلك: والشيخ ابن محمود واسع الاطلاع، يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ويحفظ آلاف الأحاديث، فلا تستطيع أن تذكر أمامه كتاباً من الكتب إلا وقد قرأه، ولا بيتاً من الشعر إلا وقد سبقك إليه، ولا خبراً من تاريخ العرب والإسلام إلا وقد وعاه، ولا حديثاً إلا وقد رواه، ولا شيئاً من قواعد اللغة وطرائف الأدب إلا وقد ألَّم بها واستوعبها.
ولذا فإني أقول بصدقٍ، وأشهد بحقًّ أن أستاذنا الشيخ ابن محمود أحفظ من رأت عيني من العلماء، وأعرفهم بالفقه، فهو بحر زاخرٌ، وعلمٌ وافرٌ، وهو آيةٌ من آيات ربه الكبرى في ذكاء الفهم وقوة الذاكرة.
وتعتبر كتبه ومؤلفاته العديدة موسوعة إسلامية، وثروة عظيمة، وفتاواه ذخيرة فقهية.
له فتاوى جريئة لم يسبقه أحد من العلماء السابقين أو اللاحقين إليها، ومن هذه الفتاوى: جواز رمي الجمار قبل الزوال، فتصدَّى له بعض العلماء فأفحمهم، وانتصر عليهم؛ لأنه يعلم كيف يجيب إذا تكلم، وكيف يستشهد إذا تحدث، وكيف ينتصر إذا ناظر، وكيف يقنع إذا أفتى.
والشيخ ابن محمود شجاع قوي، ناصح للأمة، ناصح لأولي الأمر من الحكام والأمراء، آمر بالمعروف، وناه عن المنكر، ناصر للسنة، محارب للبدعة، له هيبة إلهية، ورهبة ربانية، لا يعطي الدنية، ولا يقبل المهانة، ولا يفرِّط في الكرامة".

التيسير في الفقه:

حمل الشيخ لواء التيسير في الفقه، وحارب التشدد، فكانت فتاواه تميل إلى التيسير عن علم ودليل.
وقد كانت فتواه في رمي الجمار هي رحمة منه للناس، الذين تكرر فيهم الموت والإصابات بسبب أدائهم لشعائر حجهم.
يقول رحمه الله حول ما جرى في المناظرة".. وقد قال لي أحد الفقهاء في محضرٍ محشودٍ بكبار العلماء، قد عُقد للمناظرة في قولي بجواز رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق" .. "فكان من قول هذا العالم: (إن من تتبع الرُّخَصَ تزندق) قاله بمسمع من جميع العلماء الحاضرين، حتى كأن التشديد والغلو من سنة الدين.
ويرد رحمه الله على هذه الكلمة فيقول: "وخفي على هذا العالم أن هذه الكلمة كبيرة عند الله، تنادي بإبطال سنة الله التي شرعها لعباده صدقةً منه عليهم ورحمةً منه بهم؛ إذ الرخصة هي التسهيل، وهي ما ورد على خلاف أمر مؤكدٍ لمعارضٍ راجحٍ، وضد الرخصة العزيمة، وهي الأمر المؤكد.
ولما نزل قول الله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا (النساء: 101)  قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنَّا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هي صَدَقَةٌ من اللهِ تصدق بها عليكم، فأقبلوا "دقته". أفيكون من عمل بهذه الرخصة زنديقاً؟".
ونظرة إلى فتاواه في مجموع رسائله توضح بجلاء ما يسَّر به على الأمة في أمور الفتوى، وهي فتاوى كثيرة ذكرنا بعضها في الفقرات السابقة.

(1)أحد قدامى التربويين الذين عملوا في وزارة التربية التعليم القطرية منذ الستينات الميلادية، وكان مستشاراً لوزير التعليم الأسبق الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني.
رجوع للخلف