نظام التأمين وموقف الشريعة منه

نظام التأمين وموقف الشريعة منه

شرحنا في الفصول السابقة آراء الأستاذ مصطفى الزرقاء والدكتور محمد البهي من العلماء المعاصرين الذين يبحون التأمين بكل أنواعه وناقشنا أدلتهم ، ثم شرحنا رأي الدكتور عيسى عبده من العلماء المعاصرين الذين يحرمون التأمين بكل أنواعه وناقشناه ، وسنشرح الآن ونناقش رأي سماحة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية بقطر الذي يميز بين أنواع التأمين فيرى أن التأمين المتعلق بضمان حوادث السيارات وما شابهه نوع من التعاون المباح ، أما التأمين على الحياة فباطل قطعاً وحرام . ونستعرض الآن رأيه في موضوع التأمين على السيارات ثم نناقشه .

من يميزون بين أنواع التأمين

العنوان: نظام التأمين وموقف الشريعة منه

المؤلف: فيصل مولوي

بيانات النشر: بيروت ، دار الرشاد الإسلامية ، 1988 / 1408

الصفحات: 184 ص

 

الفصل الثالث

من يميزون بين أنواع التأمين

 

البند الأول

رأي الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود

 

 

إباحة التأمين على حوادث السيارات

شرحنا في الفصول السابقة آراء الأستاذ مصطفى الزرقاء والدكتور محمد البهي من العلماء المعاصرين الذين يبحون التأمين بكل أنواعه وناقشنا أدلتهم ، ثم شرحنا رأي الدكتور عيسى عبده من العلماء المعاصرين الذين يحرمون التأمين بكل أنواعه وناقشناه ، وسنشرح الآن ونناقش رأي سماحة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية بقطر الذي يميز بين أنواع التأمين فيرى أن التأمين المتعلق بضمان حوادث السيارات وما شابهه نوع من التعاون المباح ، أما التأمين على الحياة فباطل قطعاً وحرام . ونستعرض الآن رأيه في موضوع التأمين على السيارات ثم نناقشه .

 

أولاً : أدلته على إباحة التأمين على حوادث السيارات :

وقد نقلنا هذه الأدلة بعد الاختصار من كتابة : ( أحكام عقود التأمين ومكانها من شريعة الدين ) وهي كما يلي :

 

إن الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم الدليل على التحريم . هذا هو مذهب الإمام مالك ، وما تدل عليه نصوص الإمام أحمد وما تبناه ابن تيمية وابن القيم خلافاً لمذهب أبي حنيفة والظاهرية وما تدل عليه نصوص الإمام الشافعي واصوله من أن الأصل في العقود الحظر حتى يقوم الدليل على الإباحة .

إن التأمين على ضمان حوادث السيارات نوع من أنواع الضمان ، وليس فيه من المحذور سوى الجهالة بالأضرار التي قد تكون كبيرة وقد لا تقع . وهذه الجهالة مغتفرة هنا كما في سائر الضمانات . وقد ذكر الفقهاء صحة الضمان عن المجهول وعما لا يجب . قال في المغتي : ( ويصح ضمان الجنايات سواء كانت نقوداً كقيم المتلفات أو نفوساً كالديات ، لأن جهل ذلك لا يمنع وجوبه بالإتلاف فلم يمنع جوازه بالالتزام) . وقال أيضاً : ( ولا يشترط معرفة الضامن للمضمون عنه ، ولا علمه بالمضمون به لصحة ضمان ما لم يجب ... ) .

كما أن الجهالة في عقد التأمين هذا لا تفضي إلى نزاع أبداً لأن الشركة تلتزم بدفع الضمان بالغاً ما بلغ ولا تمس بدفع ما يلزمها من الغرامة بجانب ما تحققه من الأرباح الهائلة .

ومتى قابل العاقل بين الضمان كما ذكره الفقهاء وبين التأمين على السيارات وجده منطبقاً وجده منطبقاً عليه بجميع صفاته وإن اختلفت مسمياته .

 

وفي التأمين على ضمان حوادث السيارات يتحصل اجتماع المنفعتين : منفعة الشركة في حصول الأرباح لها ، ومنفعة الناس بها ، فهي شركة تعاونية محلية اجتماعية تشبه شركة الكهرباء والأسمنت وغيرهما ، والشخص غني بإخوانه قوي بأعوانه ، ويد الله مع الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه .

وقد دعت إليه – أي إلى التأمين على السيارات – الحاجة والضرورة في أكثر البلاد العربية بحيث لا يمنح السائق رخصة السياقة إلا في سيارة مؤمنة وإلا اعتبروه مخالفاً لنظام سير البلد . وهذه مما يزول بها شبهة الشك في إبحاحتها وتتمحض للجواز بلا إشكال .

وفي هذا النوع من التأمين مصلحة لأن أكثر السائقين من الفقراء الذين ليس لهم مال ولا عاقلة ، ومتى تسببوا بالحوادث للناس ضاعت حقوق الكثيرين من المتضررين أو ورثتهم ، وبالتأمين تضمن هذه الحقوق لصحابها .

ثانياً : رده على الشبهات الواردة على تأمين السيارات :

 

الشبهة الأولى : إن التأمين على السيارات يدخل في مسمى الجهالة والغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ويجيب على ذلك بأن الغرر المنهي عنه ثلاثة أنواع :

المعدوم : فلا يصح التعاقد على ما في بطون الأنعام .

المعجوز عن تسليمه : فلا يصح بيع العبد الآبق .

المجهول المطلق : فلا يصح بيع الحصاة وبيع الحظ المسمى (اليانصيب)

ويقول : إن كل هذه الأنواع منتفية في التأمين على السيارات المبني على التعاون الاجتماعي الصادر عن طريق الرضا والاختيار بدون غرر ولا خدع .

 

الشبهة الثانية : إن المستأمن يدفع المال في مقابل الضمان . وهنا يقول سماحة الشيخ : (وليس عندنا ما يمنع بذل المال في التزام الضمان ، كما قالوا بجواز : اقتراض لي ألفاً ولك منه مائة ، وأنه جائز ، ومنه ضمان الحارس بأجره ) .

 

 

البند الثاني

مناقشة أدلة الشيخ عبدالله آل محمود

 

نحن نرى مع سماحته أن الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم الدليل على التحريم ، ونحب أن نضيف أن الخلاف حول هذه النقطة ليس له كبير أثر في موضوعنا لأن الذين يعتبرون الأصل في العقود الحظر لا يمنعون العقود الجديدة بإطلاق بل يبيحون منها ما يجدون الدليل على إباحته . ومن الناحية الواقعية فإن البحث عن دليل التحريم عند من يقول بأن الأصل الإباحة يتقارب مع الذين يبحثون عن دليل الإباحة لأن الأصل عندهم التحريم . وفي مسألة التأمين وتشابهه مع الأقمار مثلاً ، فإن الذين يعتبرون الأصل الإباحة عليهم أن يثبتوا أن التأمين ليس فيه قمار ليظل على أصل الإباحة . أما الذين يعتبرون الأصل التحريم فعليهم أن يثبتوا أن فيه قماراً ليردوا أدلة الإباحة الأخرى وهكذا يعود البحث إلى أدلة الإباحة أو التحريم .

أما قول سماحة الشيخ أن التأمين على ضمان حوادث السيارات نوع من أنواع الضمان فلنا عليه عدة ملحوظات :

الملحوظة الأولى : إن الجهالة الموجودة في التأمين على السيارات مغتفرة كما في سائر أنواع الضمان وأن الفقهاء ذكروا صحة الضمان عن المجهول وعما لا يجب وقالوا أن لا يشترط معرفة الضامن للمضمون عنه ولا علمه بالمضمون به .

ونقول : إن مذهب الإمام أحمد يغتفر الجهالة في الضمان لأنه تبرع ، وقد ورد في (المغني) عند الكلام عر صحة ضمان المجهول قوله :

( ولأنه التزم حق في الذمة من غير معاوضة فصحّ في المجهول ) .

ومعنى ذلك أنه إذا كان مع المعاوضة فإن الضمان لا يصح من المجهول . وبما أن الضمان في التأمين مشروط بعوض وهو القسط فأصبحت الجهالة فيه غير مغتفرة بناء على النص المذكور .

الملحوظة الثانية : قوله إن الجهالة في عقد التأمين لا تفضي إلى نزاع لأن الشركة تدفع ما يتوجب عليها مهما بلغ لأنها تحقق أرباحاً هائلة .

ونقول : إن الجهالة الموجودة في التأمين تفضي إلى النزاع أحياناً ، وهذا معروف لدى المتعاملين مع شركات التأمين ، وقد كان طبيعياً أن تفضي إلى النزاع في أكثر الأحيان ولكن ذلك لا يحصل لأن المستأمنين يعرفون أنهم لن يصلوا إلى نتيجة في نزاعهم مع الشركات لأنها تتحكم بالقوى المسيطرة ، ولذلك فهم يخضعون لحكمها عند أي خلاف .

حتى لو امتنعت عن الوفاء بالتزاماتها فإنهم لا يتطيعون الاعتراض . فالقول : إن هذه الجهالة لا تفضي إلى نزاع أبداً قول غير دقيق من الناحية الواقعية .

الملحوظة الثالثة : قوله أنه متى قابل العاقل بين الضمان وبين التأمين على السيارات وجده منطبقاً عليه بجميع صفاته وإن اختلفت مسمياته .

ونقول : يكفي أن الضمان من أعمال التبرع ، وأن التأمين عقد معاوضة لتكون بينهما الفوارق الكثيرة المعروفة بين المعاوضات والتبرعات ، فكيف يقال أنه ينطبق عليه بجميع صفاته ؟

 

إن قول سماحة الشيخ أن التأمين فيه منفعتان للشركة وللمستأمنين ، وأنه بذلك شركة تعاونية محلية اجتماعية تشبه شركة الكهرباء والأسمنت وغيرهما فإننا نقف عنده قليلاً لنقول :

إن التعاون لا وجود له في شركات التأمين التجاري إلا من حيث استغلاله لتحقيق مصالح الشركة عن طريق خداع الناس ، وقد فصلنا الكلام في هذه الناحية فيما سبق فلا نعيده الآن .

أما الشبه بين شركات التأمين التجاري وبين شركات الكهرباء والأسمنت وغيرها فقد عجزت عن اكتشافه وأنني في الواقع لا أرى شبهاً إلا في التسمية ، وما عدا ذلك فالفروق كاملة في هدف الشركة وموضوعها وأسسها وغير ذلك .

وأما إن الحاجة دعت إلى التأمين وجعلت الدول العربية تفرضه إلزامياً ، وأنه بذلك تزول شبهة الشك في إباحته ويتحمض للجواز بلا إشكال .. فنقول هنا :

- إذا ثبت التحريم وجب على الناس أن يبحثوا عن سبيل آخر لسد هذه الحاجة . وإذا فرضت الدولة التأمين إلزامياً فقد يفعله المسلم مضطراً .. ولكن فرض الدولة لا يجعل الحرام حلالاً . وها هي تفرض التعامل بالربا فهل يصبح مباحاً ، وحاجى الناس للتعامل مع البنوك قائمة . إن فرض الدولة لا يغير الحكم الشرعي بحال ز وإن البحث في التأمين لمعرفة إباحته أو تحريمه ينبغي أن يتجه إليه نفسه بغض النظر عن موقف الدولة منه .

 

وأما مصلحة السائقين الفقراء ومصلحة الذين يصابون بحوادث السيارات وورثتهم، وأن التأمين يحقق هذه المصالح ويضمن حقوق المتضررين أو ورثتهم فذلك لا جدال يه من حيث وجوده، ولكننا نقول : إن التأمين قد يترتب عليه أضرار أكبر من هذه المصالح؟ وماذا نقول لو كانت هناك أساليب أرخى أكثر التزاماً بالأحكام الشرعية واقدر على حفظ هذه المصالح بدون أن تكون مشوبة بأضرار أخرى .. هل يظل الموقف من التأمين على حاله؟

حول ردة على الشبهات الواردة على تأمين السيارات .

1 –حول الشبهة الأولى : وهي أن الغرر غير موجود في التأمين على السيارات لأنه مبني على التعاون بالرضا والاختيار، والغرر المنهي عنه هو بيع المعدوم أو المعجوز عن تسليمه أو المجهول المطلق .

ونقول :

إن الرضا والاختيار لا ينفي وجود الغرر . أرأيت لو أن الفلاح باع الثمر قبل أن يبدو صلاحه ألم يكن راضياً اختياراً؟ والمشتري أليس راضياً مختاراً؟ ومع ذلك إذا منع الله الثمرة بأي سبب ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم : ( بم يستحل أحدكم مال أخيه)، إذاً فإن الرضا والاختيار من الطرفين لم يمنع وجود الغرر والحكم بالتحريم .

أم النهي عن بيع المعدوم أو المعجوز عن تسليمه أو المجهول المطلق فهي أمثال على الغرر قد لا تشمله بكل أنواعه ويبقى الغرر هو أي عقد تكون فيه احتمالات الربح والخسارة مجهولة متفاوتة إلى حد فاحش .. وهذا ما يهفم بوضوح من استقراء النصوص والأمثلة .

2 – أما الشبهة الثانية : وهي أن المستأمن يدفع المال في مقابل الضمان، وقول سماحته أنه ( ليس عندنا ما يمنع بذل المال في التزام الضمان كما قالوا بجواز : اقترض لي ألفاً ولك منه مائة، ومنه ضمان الحارس بأجره .. ) .

فإننا هنا نقول ما يلي :

( أ ) جاء في المغني أثناء الكلام عن معرفة الضامن للمضمون له والمضمون عنه أن ( الضمان تبرع بالتزام مال فلم يعتبر معرفة من يتبرع له به كالنذر ) .

وهذا نص واضح أن الضمان في مذهب الإمام أحمد تبرع ولا يجوز أن يكون مقابله مال . وبالتالي فلا يصح اعتبار التأمين من أنواع الضمان .

( ب ) أما القول : ( اقترض لي ألفاً ولك منه مائة ) وأنهم أجازوه فهو لا يدل على جواز أخذ البدل مقابل الضمان . لأن المائة ليست مقابل الألف . فالذي أخذ الألف قرضاً سعيدها إلى صاحبها كما هي . والوسيط نال مائة ليرة أجراً له على سعيه لتأمين القرض وليس هو الذي دفع القرض .. أما في التأمين إن الذي يدفع القسط هو الذي يستفيد والفرق واضح بين الحالتين . وبذلك يتبين أن بذل المال مقابل الضمان ليس في مذهب أحمد .

( ج ) وأما ضمان الحارس بأجره، فالواقع أن الحارس لا يضمن عدم السرقة أو الاعتداء ولكنه يضمن بذلك الجهد في الحراسة ويتناول أجر على الجهد الذي يبذله لا على ضمان لم يضمنه ولم يتعهد به .. وبهذا يتبين أيضاً خطأ الاستدلال بضمان الحارس بأجره على جواز بذل المال مقابل الضان .. ويتأكد أن الضمان تبرع كما هو نص ( المغني) ولا يجوز بذل المال مقابله .. إن حصل لم يعد ضماناً وأصبح من عقود المعاوضة يخضع لأحكاها . كما أن الهبة إذا اشترط فيها مقابل تصبح من عقود المعاوضة وتخضع لأحكامها .

 

البند الثالث

رأيه في تحريم التأمين على الحياة

نتابع عرض ومناقشة رأي سماحة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، في التأمين على الحياة – وهو عنده حرام قطعاً – خلافاً لرأيه في التأمين على السيارات الذي يعتبره من أنواع التعاون المباح .

عقد التأمين على الحياة هو أن يدفع المستأمن للشركة قسطاص معيناً لمدة محددة ، فإذا توفي خلال هذه المدة فغنه الشركة تدفع لورثته التعويض التفق عليه، وإن توقف عن دفع بعض الاقساط خسر كل ما دفعه ، وإن استمر على التأمين بعد انتهاء المدة نال ربحاً محدداً على ما دفع من أقساط .

أولاً : يقول سماحة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود :

إن هذا العقد بهذه الصفة باطل قطعاً، وإن وسائل البطلان محيطة به من جميع جهاته :

 

منها أنه تسليم دراهم مقسطة في دراهم أكثر منها مؤجلة قد يتحصل عليها وقد تفوت عليه .

وأنه يشبه بيع الإبق المنهي عنه في حالة جاهلة الحصول على العوض المشروط، وقد يفوت عليه مع رأسماله .

وأنه يشبه عقد الميسر حقيقة ومعنى .

 

وأنه فوق ذلك لا تقتضيه الحاجة ولا توجبه المصلحة .

ثانياً : وإذا تساءل القارئ عن الفرق بين التأمين على الحياة والتأمين على السيارات باعتبار أن أكثر هذه الأسباب التي جعلت التأمين على الحياة محرماً موجودة في التأمين على السيارات، فغن سماحة الشيخ يحدد فارقاً مهماً بين هذين النوعين من التأمين فيقول :

إن المؤمن على سيارته لا يريد بتأمينها الحصول على نقود أكثر مما دفع ولا أقل ، لا في حياته ولا بعد مماته، وإنما يريد الأمان والاطمئنان عن الحوادث، وهذا يستوجب أن يدفع فيه نفيس الاثمان، والضامن غارم كما ثبت في الحديث

( الزعيم غارم والعارية مؤداة ) . الزعيم : هو الضامن، والعارية هي الشيء المستعار.

 

الادعاء بان العقد يق بالتراضي يرد عيه بان جمي العقود المحرمة تقع بالتراضي ولا يحللها رضى المتعاقدين .

والادعاء بان الشركة تدف العوض بالرضا فلا تقع عداوة ولا بغضاء يس على إطلاقه، بل قد تقع العداوة والبغضاء في حالات كثيرة ذكر أمثلة منها ثم أكد أن التأمين على الحياة والقمار سواء في الحكم .

وأما الادعاء أن المستأمن يخلف المال لأولاده الضعاف فإن حسن المقاصد لا يبيح المحرمات ( إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ) [ النساء : 135 ] .

أما قياسه على بيع الوفاء الذي أباحه الأحناف فهو بعيد جداً عن مشابهته، فضلاً عن أن بيع الوفاء أبيح خلافاً للقياس فلا يقاسيه .

أما قياس التأمين على الحياة على عقد الموالاة عند الأحناف فالرد عليه أن عقد الموالاة أبيح في بداية الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وقد أجمع الصحابة على ذلك .

البند الرابع

مناقشة أدلته حول التأمين

هذه هي خلاصة أدلة سماحة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود على تحريم التأمين على الحياة . وإننا نسجل الآن ملحوظاتنا فيما يلي :

أولاً : إن شبهة الربا والغرر والقمار موجودة كلها في عقد التأمين على الحياة بشكل أوضح من أنواع التأمين الأخرى، ولذلك يكون القطع في بطلان هذا النوع من التأمين مقبولاً، حتى ولو اقتضته الحاجة وأوجبته المصلحة كما يزعم كثير من الناس .

ثانياً: وأما الرد على من يقولون بإباحة التأمين على الحياة لتشبيهه بعقد الموالاة وبعقد بيع الوفاء عند الأحناف، وبالقول أنه يم بالتراضي، وأنه لا يترتب عيه العداوة المترتبة على القمار، وأن المستأمن يترك لأولاده الضعاف ما يستعينون به على مصاعب الحياة، فقد ذكرنا سابقاً رأينا في هذه الحجج وهو لا يختلف عن رأي سماحة الشيخ فلا حاجة للإعادة .

ثالثاً : ولكننا نريد أن نتوقف قليلاً عند نقطة الفرق بين التأمين على السيارات والتأمين على الحياة كما حددها سماحة الشيخ والتي بنى عليها رأيه كما يظهر في إباحة النوع الأول وتحرمي النوع الثاني .

يقول : إن المستأمن – في التأمين على السيارات – لا يري الحصول علىنقود أكثر مما دفع أو أقل، وإنما ييد الأمان والاطمئنان عن الحوادث، وهذا يستوجب أن يدفع فيه نفيس الأثمان، والضان غارم .

ونقول :

1 – إن سماحة الشيخ لم ينكر وجود الربا في عقد التأمين على السيارات عندما يدفع المستأمن القسط القليل نسبياً ويتقاضى التعويض الكبير عند وقوع الحادث . ولم ينكر أيضاً وجود الغرر عندما يدفع المستأمن القسط ولا يدري هل يقبض شيئاً ولم ينكر أيضاً وجود المقار ولكنه برر كل هذه الأمور بالنية وهي أن المستأمن في التأمين على السيارات لا يريد الحصول على نقود أكثر أو أقل وإنما يريد الأمان ونحن أمام هذا التبرير نتساءل :

- كيف حصل هذا الأمان؟ ألم يكن حصوله مبنياً على التعهد من ا لشركة بدفع مبلغ معين في ظروف معينة ؟ إنه حصل إذاً كنتيجة لاتفاق فيه شبهات الربا والغرر والقمار .

- ثم إن سماحة الشيخ يقول في تحريم التأمين على الحياة ولو كانت نية المؤمن أن يترك لأولاده الضعاف ما يساعدهم .. يقول : أن حسن المقاصد لا يبيح المحرمات، ولكن لماذا حسن المقاصد – في التأمين عل السيارات – يبيح المحرمات ؟

2 – أما القول بأن الأمان والاطمئنان يستوجب أن يدفع فيه نفيس الأثمان فما هو الدليل عليه؟ إننا نعرف أن الأمان في ظل الإسلام تبذله الدولة للناس مجاناً .. وحين تأخذ مقابلاً له : إنا تأخذه من الأغنياء لسد حاجة الفقراء إن لم تكف الزكاة .. ولكننا لم نسمع أن الدولة تأخذ من الفقراء بدل الأمان الذي تعطيه لهم ... وإذا جاز هذا للدولة فكيف يجوز لفئة ن الناس تجاراً ورأسماليين أن يحلوا محل الدولة في أسط واجباتها وهو تحقيق الأمان ليحققوا من ذلك لأنفسهم أحش الأرباح .

ولو جاز هذا في مجتمع غير إسلامي فهل من الضروري أن نعتبره قاعدة شرعية وأن نقول ( إن الأمان والاطمئنان يستوجب أن يدفع فيه نفيس الأثمان )، ولو قنلاك0 إن الأمان والاطمئنان يجوز أن يفع فيه نفيس الأُمان عندما لا يمكن تحقيقه إلا بذلك )، لكان الأمر مقبولاً ومعقولاً .. أما أن نعتبر الدفع مقابل حصول الأمان واجباً فهذا ما نتوقف عنده .

3 – أما تبرير الدفع لتحصيل الأمان بأن الضامن غارم ، فهو يعود بنا إلى موضوع الضمان الذي بحثناه في الفصل السابق وبينا فيه أن الضمان المشروع ما كان تبرعاً بدون مقابل ، فإذا كان مشروطاً بمقابل أصبح من عقود المعاوضة ولم يعد من عقود التبرع ، وانتفى منه معنى التكافل ، وأصبح بالتالي خاضعاً لشروط المعاوضات وأهمها عدم وجود الربا والغرر والقمار .. وكلها موجودة في عقود التأمين على السيارات .

4- ثم إننا نتساءل : لماذا يباح للمستأمن أن يحقق الأمان لنفسه – بواسطة التأمين على السيارات – فيطمئن إلى أن أي حادث مفاجئ ستعوضه عليه الشركة ، ولا يباح له أن يحقق مثل هذا الأمان بالنسبة لأولاده فيمما إذا فاجأه الموت فيطمئن إلى أنهم سيتقاضون من الشركة تعويضاً يساعدهم على مصاعب الحياة بعد فقدان معيلهم ؟

إن الصلة بين التأمين على السيارات والتأمين على الحياة صلة قوية ، وبينهما تشابه كبير ، بل يكاد يكون بينهما تطابق كامل .

* في الغاية : وهي الاطمئنان إلى المستقبل المجهول عن طريق الاعتماد على شركات التأمين في التخفيف من نتائج المصائب والأحداث سواء أصابت الممتلكات أو الأشخاص .

* وفي الوسيلة : وهي دفع القسط القليل للحصول على المبلغ الكبير بشروط معينة ، وهذا قائم في كل أنواع التأمين .

* وفي الموضوع : وهو أن عقد التأمين يقع على الأمان والاطمئنان .

وإذا كانت شبهات الربا والغرر والقمار أوضح في التأمين على الحياة .. إلا أنها هناك ليست معدومة ولكنها متخفية .. فضلاً عن أن الحكم يتناول الأساس في العقد .. والأساس واحد في الغاية والوسيلة والموضوع .. مما يقتضي أن يكون الحكم أيضاً واحداً .

جمع وإعداد: سعد بن زيد آل محمود

رجوع للخلف